4 ـ من الواضح أن البيروني قد أجهد نفسه في تعقب الخرافات التي سرت بين العامة وتسربت إلى أفهام الخاصة، فانتقدها وتهكم على قائليها في لهجة لا تخلو من السخرية. والحقيقة أنه لو لم يكن في"الجماهر"من مزية من المزايا سوى تعقب الخرافات والتعقيب عليها بالنقد والتفنيد لكفاه من مزية، تبرئ العقل العربي من إيثاره الخرافة على العلم، وتنزه العلم العربي عما وصفه بعض المستشرقين بالبربريّة والجهالة [1] ، وفي ذلك يقول البيروني: ..."وهذا من أشباه الخرافات التي سأحكي بعضها عن الفرس" [2] وفي موضع آخر يقول: وليس لمن مال إلى ذلك شاهد غير العادة وتخريج بعيد وخيالات من الأقاويل مثل ما في كتاب أوريباسيوس إن المسك ينفع من الهم والفزع والحزن... الخ" [3] . وفي موضع ثالث يقول:"وانتقاد مثل هذه البسابس مضيعة للزمان" [4] ، وفي موضع رابع يقول:"وأما الخرافات المضحكة التي ربما يتلهى باستماعها فكثيرة عندهم جدًا... الخ" [5] ."
ثالثًا: الإسلام والعلم في"الجماهر":
من أعجب الآراء التي روج لها المستشرقون ومؤرخو الغرب، وأكثرها إغراقًا في الغرابة؛ أن الإسلام دين يناقض العلم، وتلك فرية لا مراء فيها. ومبعث الغرابة هنا، أن تكون الأهواء هي الأساس الذي يرتكز عليه فكر أناس يفترض فيهم التجرد والحياد، إذ بلغ التعصب حدًا قد أعمى بصائرهم عن دعوة القرآن الكريم إلى الأخذ بأسباب العلم والتفكير في آيات الكون ومخلوقات الله عز وجل [6] .
(1) تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، مصدر سابق، ص 128.
(2) الجماهر، المصدر السابق، ص 44.
(3) المصدر السابق، ص 137.
(4) المصدر السابق، ص 137.
(5) المصدر السابق، ص 166.
(6) انظر"الإسلام وطن"العدد 102، صفر 1416 هـ، الأساليب القرآنية في الحث على العلم، مصطفى يعقوب عبد النبي، ص 25.