ومعنى هذا أن بيكون عاب على الإنسان إيثاره السهولة، وتصديقه الخرافات، وعدم صبره على البحث. ومثل هذا المعنى قد طرقه علماء عرب كثيرون، منهم ـ بالطبع ـ البيروني الذي فاق بيكون بأشواط بعيدة في نبذه للخرافات وإيمانه بالعلم التجريبي.
ويمكن الدلالة على سبق البيروني في هذا المجال من خلال الشواهد التالية، حيث يغني الشاهد الواحد عن شواهد كثيرة:
1 ـ من الخرافات التي سرت مسرى الحقائق، خرافة تقول إن الأفاعي تصاب بالعمى إذا أبصرت الزمرد، يقول البيروني عن هذه الخرافة:"ومنها ما أطبق ـ أي أجمع ـ الحاكون عليه من سيلان عيون الأفاعي إذا وقع بصرها على الزمرد. حتى دون ذلك في كتب الخواص، وانتشر على الألسن وجاء في الشعر. ومع إطباقهم على هذا فلم تستقر التجربة عن تصديق ذلك، فقد بالغت في امتحانه بما لا يمكن أبلغ منه من تطويق الأفاعي بقلادة زمرد، وتحريك خيط رفيع أمامها منظوم منه، مقدار مدة تسعة أشهر، في زماني الحر والبرد، ولم يبق إلا تكحيله به فما أثر في عينيه شيئًا أصلًا، إن لم يكن زاده حدة بصر" [1] .
والتفسير الوحيد لهذه الفقرة أن البيروني قد أجرى تجربة فريدة في بابها شذت عن مألوف التجارب في عصره، بدليل أنها استغرقت تسعة أشهر كاملة، ولعلنا لا نجاوز الصواب إن قلنا إنها أطول تجربة في تاريخ العلم حتى القرن التاسع عشر. فقد حرص البيروني على ملاحظة ما يطرأ على تلك التجربة مغيرًا العوامل التي قد تؤثر على سير التجربة، لاسيما تأثير درجة الحرارة، في صورة مطابقة إلى حد بعيد لما يحدث الآن في التجارب العلمية الحديثة من تغيير العوامل المؤثرة على التجربة. ومن الطريف أن البيروني بعد أن تحقق من عدم صحة هذه الخرافة، وأنه لا تأثير للزمرد على عيون الأفاعي، تهكم على قائلي مثل هذه الخرافة في سخرية مريرة قائلًا:"فما أثر في عينيه شيئًا أصلًا إن لم يكن زاده حدة بصر".
(1) الجماهر، مصدر سابق، ص 167.