وإذا كانت الكتب القديمة لم تسرد لها خبرًا صريحًا يفيد التحدي، فإن مجرد مقارنتها بأشعار أبي نواس الأخرى، وما تتسم به تلك الأشعار من وضوح وبعد عن الغريب، ربما دفعنا إلى تصور هذا التحدي المقصود ولاسيما أننا نلاحظ ظاهرة الجزالة والقوة بارزتين في أشعار المديح التي قدمها أبو نواس بين يدي الرشيد وغيره من وجوه الدولة العباسية. فكأنما غرض الشاعر أن يثبت مقدرته الكاملة أمام أولئك العرب؛ أو كأنه يدرك أن أذواقهم لا تستريح إلا لهذا النوع من الشعر، وإن كانت تلك القصائد لا تصل إلى ما وصلت إليه الأرجوزة من الغريب.
وقد طلب أحد أصحاب ابن جني منه أن يفسر له هذه الأرجوزة، فاستجاب عالمنا الجليل لرغبته وعمد إلى تفسيرها وتوضيحها.
وجاء الأستاذ محمد بهجة الأثري فأبرز هذا التفسير إلى عالم الكلمة المطبوعة مضيفًا إليه كل ما يحتاجه من مقدمات وتعريفات وتحقيقات وتذييلات رآها لازمة.
وبين يدي من هذا الكتاب نسخة من طبعته الثانية التي طبعها مجمع اللغة العربية في دمشق عام 1400هـ-1979م.
قدم الأستاذ الأثري لهذه الطبعة بمقدمة مطولة تجاوز عدد صفحاتها تسعين صفحة، جعلها ذات أقسام:
القسم الأول عرف فيه بالكتاب وهو تفسير أرجوزة أبي نواس لأبي الفتح عثمان ابن جني، وذكر فيه أن ابن جني نفسه كان واحدًا من حفاظ هذا الرجز والمعنيين به. ومن هنا سأله بعض أصحابه من هؤلاء الشبان البغداديين أن يفسره له، فاستجاب أبو الفتح"قضاء لحق مودته"، وإن ابن جني على ما عرف عنه من علم وسعة، كان قد ذكر أنه قرأ الأرجوزة على أستاذه أبي علي الفارسي (ليضم علمه إلى علمه، ويزداد به فهمًا لما هو مقبل على شرحه) .