وأهم ما أخذته أوروبا عن طريق الأندلس منهجية البحث العلمي، لقد سلك العلماء المسلمون بعد جهد وعناء، منهجًا علميًا قوامه العقل: نظرًا وفكرًا، وآلته التجربة: مادةً واستقراءً. ولا يمكن لهذه التجربة أن تمضي بسقوط الأندلس سياسيًا ـ كما يقول أحد الباحثين [1] ـ لأنها تجربة ثرية مقامة على مجموعة من العناصر، كالعقلانية والتسامح. ولها جذور متأصلة في تراثٍ كان وما زال. وهي جذور لا تزول بزوال الجذع المرئي فوق الأرض (أي الأندلس ككيان سياسي) وإنما تنساب تحت الأرض إنسيابًا لتبرز في أماكن أخرى، وتستمر في عطائها لكامل المجموعة البشرية. إن تجربة الأندلس لم تمح فما زال الإسبان يعيشونها آثارًا وعمارة، زراعة وريًا، وما زالت تعيشها أوروبا علمًا ومنهجًا، وما زال يعيشها العرب ـ وخصوصًا الأقطار المغاربية ـ سلوكًا وفنًا. نعم زالت الأندلس سياسيًا كدولة، ولكنها تسربت كحضارة في مشارق الأرض ومغاربها لدى المسلمين وغيرهم.
(1) لماذا سقطت الأندلس، جمعة شيخة، ص24 مجلة المعرفة العدد 68 الرياض فبراير 2001.