وعلى الرغم من كل ذلك، كان تميّز ابن الأزرق يتجلى واضحًا في مؤلفاته القليلة والنادرة، والتي تكشف عن عمق رؤيته العلمية والحضارية، حيث أكد في مؤلِّفه"بدائع السلك في طبائع الملك"استمرارية المدرسة الأشعرية في علم الاجتماع السياسي، وفي تطبيق المنهج الاستقرائي التجريبي على الظواهر الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.
وكتاب ابن الأزرق"بدائع السلك في طبائع الملك"لا يقل في تكامله، ولا في منهجيته عن مقدمة ابن خلدون، التي يؤسس فيها ابن خلدون لعلم الاجتماع قبل علماء الغرب بكثير من القرون ـ وبالرغم من أن ابن الأزرق قد استند إلى المقدمة، وهي لازمة منهجية لمفكر توفي بعد ثمانين سنة من وفاة ابن خلدون، وإنه خطا بالنظريات الاجتماعية السياسية لدى المسلمين، خطوات أوسع، ووصل بهذه النظريات، إلى مرحلة نضج، ومزج بين نظريات ابن خلدون ونظريّات أخرى سياسية إسلامية، تستند إلى اتجاه ابن خلدون السياسي البحت، وهو علم الأخلاق السياسي، الذي لم يحظَ عند ابن خلدون بمكانة واسعة، ورأى ابن الأزرق أن يضع له مكانًا في علم الاجتماع السياسي، فحاول ـ كما يذكر الدكتور علي سامي النشار في مقدمة تحقيقه لكتاب"بدائع السلك"ـ أن يوفق بين نظريات ابن خلدون، ونظريات ابن رضوان والطرطوشي.
هذا إلى أن ابن الأزرق، وقد تميز بالأمانة العلمية الفائقة، يكشف لنا عن مصادر مقدمة ابن خلدون، فبينما كان هذا الأخير"كتوما"إلى أكبر حد، يستخدم نظريات غيره، دون أن يذكر مصادرها، نرى ابن الأزرق ـ وهو أولا وقبل كل شيء فقيه أخلاقي، وراوية حديث مثبت، وقاض من قضاة المسلمين ـ يذكر مصادره بأمانة وصدق، ولا يكتم مآخذه ولا منابعه، ويعبر عن آرئه هو بالصيغة المشهورة (قلت) .
الأندلس: الأحوال السياسية والثقافية: