عاد الأمير بعد ذلك إلى صحرائه بنفس متألمة تتأمل أحداث الزمان وأرزاءه الأليمة وبقي في بيدائه يشم رائحة الغبار المنبعث من وقع أخفاف الإبل وحوافز الخيل في الصحراء ويرى بجانبه زوجه"ثريا"الوفية التي حافظت على وده وعهده، فتثور في نفسه نوازع العربي الشجاع بين البادية وغبارها وبجواره المرأة التي لا غنى له عنها، فيرى في هذا المنظر أريجًا وعنبرًا أفضل من غبار المدن في حمص وحماة اللتين يدعوهما بالقرى الموخمة أي (الفاسدة الهواء) حيث يقول:
هلا بثيري والدنيا مسكبة
عجاج الظعن عنبر والمسك به ... أخير من القرايا الموخمة
فيرجب بزوجه"ثريا"والسماء ممطرة ويرى أن ريقها كالعسل (وأبو كذله) كناية عن المرأة في البادية وكأنه الشاعر الفارسي الجاهلي عمرو بن معد يكرب الزبيدي حين نظر إلى زوجه مقبلة بين الظعائن فيقول: ... بدر السماء إذا تبدى
وبدت لميس كأنها
وبقي الأمير بصحرائه يفاخر بقومه ويعدد صفاتهم التي من أبرزها الشجاعة والكرم فيقول: ... ودرب الكرم سابق من دليلهم
هلي عوج المناسف مندل لهم
كروم الناس تشرب من دلالهم ... هلي بالكون عيين الطلاب
أي أن مناسف الكرم الفخمة تدل على قومه وعادة الكرم ثابتة لهم من أصلهم ومعدنهم كما أن فرسان القوم تزور نواديهم وتشرب قهوتهم وهم الشجعان في معارك الحروب. ... وقهوة غيرهم حنظل بريقي
ويقول أيضًا:
هلي يا هل المحمس والبريق
هلي يا هل الزواعق والبريق ... سباع الغاب لو صاحوا ضحى
أي: أن أهله أهل القهوة والإبريق ولوازمها وهو لا يتذوق طعمًا لها عند غيرهم وهم يشبهون الصواعق والبرق وهم أسود إذا حملوا على العدو في الضحى. ... وليث ينطح الطابور عنداي
وهكذا عاد الأمير إلى عزه وابتسم له الدهر بعد أن عبس وأذاقه المصائب والنكبات الكبيرة فبقي كالطود في صحرائه يتحدى مصائب الزمان بعد أن صبر على بلوائه ومحنته ورأى في نفسه أن المصائب قد صهرته وصفت معدنه العربي الأصيل فيقول:
يفاضل ما تشيلك كل عنداي