فهرس الكتاب

الصفحة 21090 من 23694

إذ يعمد النمل إلى حفر خنادق يصنع داخلها ما يشبه الأنابيب التي تتغلغل في جوف الأرض إلى أكثر من أربعين مترًا، حتّى تصل إلى مستوى الماء الجوفي، حيث تتبخّر منه الرطوبة، وتنتشر عبر الأنابيب، حتّى تصل إلى ردهات المملكة وغرفها، والشيء المثير في التمديدات أن المسالك التي أُعدّت لهذا الغرض، هي متممات أجهزة التكييف المتطوّرة التي أوجد لها النمل نظامًا فريدًا لاستمرار تهوية مملكته الرطبة المغلقة، والتي تحتاج ـ على الدوام ـ إلى الأوكسجين اللازم للتنفس والعيش، فالنمل كالإنسان يأخذ الأوكسجين اللازم للتنفس والعيش، ويطرح ثاني أوكسيد الكربون، ولو أن الغاز المطروح قد اجتمع في المملكة لأدّى إلى اختناق النمل وهلاك جنسه، وقد أثبت العلم أن كل مليوني نملة، تحتاج إلى ربع مليون سنتمتر مكعب من الأوكسجين النقي"لكن الذي حيّر العلماء، وأثار دهشتهم أن هذه الحشرات تحيط ممالكها بأسوار سميكةٍ ومنيعةٍ، ولهذا فمن الصعب تحطيمها بالوسائل التقليدية، لأن مواد بنائها قد اختيرت بحكمة لتصبح صلبةً متينةً ـ مقاومة ـ ولا يستطيع الإنسان أن يهدمها إلا بالديناميت" (11) ، وكأن بُناة هذه المملكة قد درسوا خواصّ موادّ البناء، وميكانيكية الرتبة كما يدرسها المهندس المعماري أو المدني، وقد أثبت العلم أن النمل قد عرف شيئًا عن مبادئ الجيولوجيا، أو علم طبقات الأرض، فاستخدم لبناء مملكته طبقةً خاصةً من الطين، تُحمَل من قبل (الشغّالات) حصرًا، وهي جماعةٌ من النمل متخصّصةً بجرّ الأثقال وحملها، ثمّ يأتي (البناؤون) ليقوموا بدورهم بتسليح الطين، وذلك بإحضار موادّ بنائية تالفة، يختارونها بكفاءةٍ تخصّصية نادرة، ويخلطونها باللعاب، ويمزجونها بالطين، ثمّ يصبّونها في ما يشبه القوالب الصغيرة التي تناسب عالم النمل، ويبدؤون البناء قطعةً قطعة، تغدو بعدها المملكة صالحة للسكن المريح، ولها من المقاومة صلابة الإسمنت المسلح، تعمّر مئات السنين من دون أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت