وعملًا بما جاء في القرآن الكريم وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بشأن العلم والدعوة إلى تحصيله كما بينا سابقًا، فإن العرب قد رفعوا منذ مجيء الإسلام وبعد الفتوحات لواء العلم طوال القرون المظلمة والقرون الوسطى، فقد سمح لهم مركزهم القيادي من الوصول إلى منابع الثقافات الأجنبية السائدة آنذاك، حيث تمكنوا في أقل مدة من الزمن من نقل وترجمة أبواب عديدة من المعرفة وألوان شتى من العلوم والفنون التي تزخر بها تلك الثقافات. وبتشجيع من الخلفاء والأمراء ومحبي العلم والمعرفة تجمعت للعرب الفاتحين في بغداد ودمشق وفي مدن الإمبراطورية العربية الواسعة ثقافات شتى، أقبل الناس على ترجمتها أولًا وإعادة ترجمتها ثانية ترجمة أكثر دقة، وأكثر تعريبًا بعد أن تمكن المترجمون من إيجاد المصطلحات العربية لآلاف الكلمات والمعاني الجديدة التي اعترضتهم دفعة واحدة، في شتى ميادين المعرفة، من آداب وطب وفلسفة وعلوم مختلفة وأدوات استعمال: حربية ويومية وفنون، وأقبلوا مع حركة الترجمة على الدراسة والتطبيق العلمي والنقد وتحولوا بعد ذلك إلى التطبيق والتأكّد من صحة ما ورد من تجارب الأمم السابقة، فأيدوها بالتجربة والبرهان، وعدلوها حسب ما وصلت إليه أبحاثهم وزادوا عليها وأضافوا ما اكتشفوه أو وصلوا إليه وخرجوا من ذلك كله بعلم جديد وحضارة جديدة، هي حضارة عربية، قلبًا وقالَبًا، ذات منشأ أجنبي وعربي، لكنه مازال يتطور ويتقدم وينسق وتدخل عليه عناصر عربية جديدة، حتى ضاعت معالم أصله وتحول كله إلى صياغة جديدة فجاء بلسان عربي، وفكر عربي، وروح في أغلبها إسلامية.