فهرس الكتاب

الصفحة 2107 من 23694

بقي الأمير في خيمته الكئيبة الحزينة التي خيم عليها المرض والوحدة والألم المرير، كان بين حدي مقص الفناء يدنو منه الموت رويدًا رويدًا ويقترب منه شبح المنون بوجهه الكالح المر، ويدهمه المرض العضال بوطأته الشديدة فعندما يستسلم إلى إغفاءة أو غيبوبة من النوم يظنها النومة الأخيرة التي لا صحوة بعدها، وهكذا حالته بين يأس ورجاء، وشدة، وأمل، لا يعرف ماذا يخبئ له الغد المجهول في ثنايا طياته، وغياهب مجاهله، لقد انثالت على قلبه المحن والأزراء وأحاطت به وتعاورت جسمه سهام الردى ونصال المرض فلم تبق منه إلا هيكلًا عظميًا يلفه أديم هزيل وجسم نحيل يتردد به نفس متقطع، وأنين متحشرج، على أن الرجال ذوي النفوس الكبيرة والعزائم العظيمة عندما تنزل بساحتهم المصائب وتبلوهم النوائب يتذرعون بالصبر ويلجؤون إلى احتمال المكاره والآلام مهما كانت جليلة، فهناك يبدو معدنهم الأصيل الذي تأتيه النار فتصهره من شوائبه وأدرانه وتظهره بطبيعته وتجلو رونقه ولمعانه، وهذا ما جرى لهذا المسكين فقد استسلم لقضاء الله وصبر وتألم بمرارة وحزن وكان يعبر عن مآسي قلبه بأشعاره الشعبية التي تخرج من قلبه الكليم وفؤاده الجريح ونفسه الملتاعة فحسبه من هذه المصائب ما نزل بساحته وكفاه من البلاء ما حل به وكأن لسان حاله يقول:

رأيت الدهر يجرح ثم يأسو

أبت نفسي الهلاع لرزء شيء ... كفى رزءًا بنفسي رزء نفسي

شاءت الأقدار في صبيحة يوم من الأيام أن تمر قافلة من العرب الرحل وقيل أنها من (الصليب) فشاهدت تلك الخيمة التي تذروها الرياح، وعندما خيم أفرادها بجوارها ودنوا منها وشاهدوا الأمير طريح الفراش يصارع الموت ويقاوم الألم وكأنه رنا إليهم ببصره من خلال الصحوات القليلة التي كان يستفيق منها بعد غيبوبة المرض المستمرة التي كانت تدهمه من آن لآخر، ولعله أراد أن يعبر عن وضعه ويعرف زواره بمحنته وبمصيبته بقوله: ... الفرش يا جرح دلالي طري حي

هلي شالوا وخلوني طريحاي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت