كان وجهاء العشيرة وخاصة والد الأمير وذووه قد زودوا الخادم قبل رحيلهم بتعليماتهم وأوامرهم التي تقضي بخدمة الأمير وزوجته والسهر عليهما حتى ينتهي صراعهما مع المرض، فإن شفي أحدهما أو كلاهما فليأت به إلى مضارب العشيرة التي حددوا مكانها له، وإن ماتا فليدفنهما وليحضر بنفسه ويلحق بقومه، فبعدما شهد الخادم وفاة زوج الأمير ورأى حالته قد ساءت ورأى أنه وارد قبره اليوم أو غدًا ولاحق بزوجه، لم يشأ الانتظار وعزّ عليه أن يرى سيده يموت ويقوم بدفنه، وربما خشي أن يدهمه المرض وتنتقل إليه العدوى بعد أن ضعفت عزائمه ووهنت قواه من رهبة الموت وهول الموقف فاستبد وهو يهذي كأنما به مس من الجنون، وكان يردد شعر الأمير في رثاء زوجه وقد حفظه لأنه تأثر به ونزل بقلبه ولاسيما وقد رآه باكيًا حين إنشاده.
وأخيرًا ساقته قدماه إلى مشارف خيام العشيرة وعندما رأى نفسه على مقربة منها انتبه قليلًا من غفلته ومن هواجسه التي كان سابحًا بها وفكر فيما يقول للقوم الذين يرتقبون أنباء الأمير بلهفةٍ واشتياق، وعندما وصل إليهم أعلمهم ما نوى إخبارهم به وهو موت الاثنين وقيامه بدفنهما اعتقادًا منه أن ذلك ما يتوقعه القوم، ولعلمه أن النجاة قليلة ونادرة من براثن ذلك الداء الذي افترس الكثيرين، وهيهات أن ينجو منه أحد إلا من مد الله له عمره وهم قلة.
لهذا لم يساور القوم شك في ادعاء الخادم فحزنوا على موت الأمير، وعلموا أنهم قد فقدوا فارسًا شهمًا ستذكره العشيرة دومًا، وأنى لغيره أن يملأ فراغه؟ وأقاموا المآتم والتعازي في كل منزل وخيمة لأنهم يحبونه ويقدرون صفاته الفريدة وإخلاصه لهم وفضله عليهم.