فهرس الكتاب

الصفحة 2105 من 23694

يقول: يا ليلى الراحلة التي أخفى النقاب وجنتيها وأذيل الموت نضارة وجهها فلم يظهر من الوجه إلا العينان اللتان تشبهان عيني الغزال، ثم يرجع إلى نفسه ويناجيها قائلًا يا فاضل اترك الأنين والتوجع، والتوله فإنه لن يفيد والزم الألم والصبر الصامت على من تحب ما دمت على قيد الحياة. ... أجاب الأسى طوعًا ولم يجب الصبر

فكأنه يريد أن يعبر عما جاش في صدر العربي القديم عندما رثى حبيبته بقوله:

ولما دعوت الصبر بعدك والأسى

لقد قام الخادم بدفن الزوجة في قبر حفره لها بعيدًا عن الخيمة، ولاحظ أن سيده قد أمعن في البكاء في ذلك اليوم وما لبثت دموعه أن انسكبت بلوعة وحرقة، في كل منظر رآه به في مصيبته التي رزئ بها، وما أعظم وقع المصائب على قلب هذا الرجل الشهم، بل ما أكثر تتابعها فقد بدأت بالمرض وترك الأهل له وارتحالهم عنه، وها هي الآن سهام المنايا قد أفقدته زوجته، والشيء البارز الذي لم يبرح يفكر فيه الخادم ويعجب منه هو بكاء الأمير وقد عهده منذ أن نشأ بخدمته من الصغر جلدًا، صبورًا لا يعرف الخوف والوجل إلى نفسه سبيلًا ولم يره باكيًا حتى في أشد المواقف هولًا خلال حياته الطويلة الملأى بالمعارك والحروب ولكم شهد مواقع أصيب أو جرح بها، أو فجعه الزمان بأصدقائه وأقاربه وأولاده... فما باله اليوم يبكي بكاء الأطفال؟ ويعول عويل النساء؟ لقد اعتقد الخادم بعد أن تأمل طويلًا في وضع الأمير أنه يبكي نفسه بتلك الدموع، بل يرثي حياته التي أوشكت على المغيب بعد أن رأى جسمه الهزيل قد أصبح كالهيكل العظمي، ورأى عينيه قد ذبلتا وخمدت حدتهما وخبا رواؤهما المتوقد، وقد اضمحلت تلك الحيوية التي ملؤها الشجاعة والإباء والاعتداد بالنفس، فأسفًا للخطوب والحوادث المؤلمة التي تردي النفوس وتدمي القلوب الكبيرة. ... يؤسي أو يعوض أو ينسي

وأخيرًا حصلت لدى الخادم القناعة أن الأمير يقترب من الموت وأنه على شفا جرف هار منه، وألا أمل يرجى لشفائه وبرئه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت