وكأن الأمير بشعره الآنف الذكر يعتب على قومه لأنهم جحدوا فضله وأنكروا أثره البارز في العشيرة بتركهم إياه وحيدًا في الصحراء فريسة للمرض والهموم، وربما كان يرجو منهم كما يتضح من قوله، حمله معهم أو البقاء بجانبه -ولكن نفسه الأبية لم تجعله يذكر ذلك بلغة التوسل والاستعطاف بل نوه بلهجة النصح واللوم والعذل. على أن الأمير قد وجد العذر بصورة ضمنية لقومه ورجا لهم أن يجدوا الماء الذي كان ضالتهم المنشودة
وهكذا فإنه لم يحقد عليهم لأنه عميد العشيرة وفارسها الشهير فلا غرابة إذا تمنى الخير لهم فمصلحة العشيرة فوق كل مصلحة ولهذا أقرر أي الأغلبية من القوم ولسان حاله يردد ما قاله الشاعر العربي القديم:
وما أنا إلا من غزية ان غوت
وهكذا كان... ما برح الأمير رهين المرض، حبيس الخيمة في تلك الفيافي المنقطعة، وزاد في ألمه ارتحال قومه وأهله وأولاده عنه، فلا أنيس يؤانسه في محنته سوى هذا الخادم الذي يقوم على خدمته ورعاية شؤونه، وزاد في ألمه وجود زوجته ليلى بجواره مريضة ساجية، وهكذا فقد استسلم للصبر وارتقب قضاء الله وقدره. ... ومالك شبه من الجاذر بس العين
وفي إحدى الليالي اشتد المرض بزوجته وأحاط بها الردى، وأناخ بجسمها الموت فسكنت نأمتها، واستراحت من آلام الداء الوبيل، الذي لم يرحم صباها الغض، وشهد الخادم احتضارها وموتها فأيقظ سيده من غيبوبته وأعلمه واقع القدر.
تحامل الأمير على نفسه ونهض وأطل برأسه على جثمان الزوجة التي ودعت الحياة، فرأى وجهها الهامد قد غُطي بالنقاب وذهبت المنون بنضارته ولم تبق إلا عيناها الساجيتان وكان منظرًا مؤلمًا أحزن الأمير، وأدمى فؤاده، فبكى ما شاء له البكاء، ونزلت عبراته الغزيرة ساخنة على خديه الكامدين من فؤاد كليم، وجسم سقيم مفعم بالأسى والأحزان والأوجاع، وما لبث أن أنشد:
يا ليلى مخفية الوجنة بس العين
يا فاضل بطل الونة بس عين ... عليهم طول ما أنت بالحياة