إن القرآن بعد أن نهى وزجر عن التقليد والانقياد الأعمى دعا إلى الأخذ بالأحسن، وذلك في قوله تعالى:"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب" (29) . فكما هو واضح من الآية، فإن الله أمر المسلمين أن يسمعوا كل قول ويستعرضوا كل مذهب، وأن لا يحملهم التعصبُ للرأي أن يرْفٌضوا أي رأي دون تفهم وتمحيص بل يأخذون أحسن ما يجدونه، وقد وصف الله الذين يفعلون ذلك: بأنهم المهديون هداية إلاهية، وبأنهم أهل العقول الراجحة والبصائر النيرة.
ومن نعم الإسلام على العقل والعلم، أن القرآن قد بين في أكثر من آية أن العقل نعمةٌ كبرى، وأنه لابد من استخدامه واللجوء إلى حِكمه، وفي هذا الصدد يقول تعالى في تذييل كثير من الآيات القرآنية:"إنَ في ذلك لآيات لقوم يعقلون"وقوله"أفلا تعقلون".
وهاهو ذا القرآن يعيب على الذين يهملون استعمال العقل بأسلوب مؤثر يفعل في قارئه ما لا تفعله أقسى الزواجر:"إن شر الدواب عند الله الصُّم البكمُ الذين لا يعقلون" (30) ويقول تعالى أيضًا في هذا المعنى"أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا" (31) .
وجعل الله إهمال العقل وعدم استعماله سببًا في عذاب الآخرة وذلك في قوله عن الكفار:"وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (32) ".
ومن بين المعارف العلمية التي دعانا القرآن إلى إدراك حقائقها، هي اطّراد الحقائق الطبيعية وبقاء سنن الله فيها من غير تحويل ولا تبديل حتى ينتهي الأجل المقدر لها. ويتضح ذلك في قوله تعالى:"فهل ينظرون إلا سٌنّة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا" (33) وقوله تعالى:"لا تبديل لخلق الله" (34) .