ومن خلال هذا السياق القرآني نقف عند حقيقتين هامتين، الحقيقة الأولى: أن التفكر في خلق الله والتدبر في كتاب الكون المفتوح، وتتبع يد الله المبدعة، وهي تحرك هذا الكون وتقلب صفحات هذا الكتاب.. هو عبادة الله من صميم العبادة، وذلك لله من صميم الذكر. والحقيقة الثانية أن آيات الله في الكون، لا تتجلى على حقيقتها الموحية إلا للقلوب الذاكرة العابدة. وأن هؤلاء الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ـ وهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ـ هم الذين تتفتح لبصائرهم الحقائق الكبرى المنطوية في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، وهم الذين يتصلون من ورائها بالمنهج الآلهي الموصل إلى النجاة والخير والصلاح... فأما الذين يكتفون بظاهر من الحياة الدنيا، ويصلون إلى أسرار بعض القوى الكونية ـ بدون هذا الاتصال ـ فهم يدمرون الحياة ويدمرون أنفسهم بما يصلون إليه من هذه الأسرار يحولون حياتهم إلى جحيم لا يطاق، وإلى قلق خانق، تم ينتهون إلى غضب الله وعذابه في نهاية المطاف (11) .
وإذا أردنا أن نستعرض الآيات القرآنية التي تحض على العلم وترفع من منزلة العلماء، نجدها كثيرة ومستفيضة. ومن هذه الآيات قوله تعالى، يحض على العلم"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولُو الألباب" (12) .
فمن خلال التعمق في فهم هذه الآية نجد أن الله سبحانه وتعالى قد نوّه بالعلم وحكم على أن أهله يمتازون عن سواهم، ثم حصر التذكير في أولي الألباب أي أصحاب العقول، وأنه لا مقوم للألباب غيرُ العلم.
ويصرح القرآن بأن العلماء لهم درجات عند ربهم وميزات خصّهم بها وذلك في قوله تعالى:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" (13) .