ومن أول ما يثار من الحجج، أن القرآن الكريم لا شأن له بالعلوم الحديثة، وإنما هو كتاب أنزل للناس للإرشاد والهداية وبيان الشريعة وأحكامها وهذا ولاشك قول حق، ولكنه ليس الحق كله، لأن الله سبحانه وتعالى شاءت حكمته أن يكون إرشاد الناس وهدايتهم بوسائل متنوعة، وأن يكون من أبرز هذه الوسائل دعوتهم إلى النظر والتدبر في معجزاته وأيات خلقه، وإذا لم يكن ذلك وغيره، فلمَ احتفال القرآن الكريم بمثل ذكر السماوات والأرض والشمس والقمر ومنازله والمشارق والمغارب، والبروج والنجوم والكواكب، والليل والنهار، والفجر والغسق،والظلمات والنور، والبحار والأنهار والعيون، والرياح اللواقح والعقيم، والسحاب الثقال، والبرق والمطر والجبال الراسيات، والغرابيب السود، والأرض الهامدة والأرض المهتزة الرابية والجنات والنخيل والأعناب والتين والزيتون، والنحل والنمل وجناح البعوضة والذباب وبيت العنكبوت والطير الصافات والإبل والخيل والأنعام وخلق الإنسان من ماء مهين، .. وهذه كلها أمثال قليلة بعيدة عن تمام الحصر، مما يوجهه القرآن الكريم إلى أولي الألباب الذين يعقلون ويتفكرون ويتدبرون ساخطًا وناعيًا على غيرهم من ذوي القلوب التي لا يحرمُها ما عليها من أكّنة وأقفال من رؤية الحق ونور اليقين (9) ... وفي هؤلاء يصدق قوله تعالى:"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" (10) .