فهرس الكتاب

الصفحة 2102 من 23694

رجع الأمير إلى نفسه بعد ذلك وتأمل الأرزاء المحدقة به والمصائب النازلة عليه من كل جانب فوجد أنه يقبع في عزلة كئيبة ووحشة شديدة بعد أن ارتحل عنه أهله وذووه، وتركه القوم وهجرته العشيرة، وكان المرض قد أضنى جسمه، وأخمد قواه، وغير ملامح وجهه، وزعزع كيانه، في هذه الأرض القفر التي لا يسمع بها إلا عواء بعض الحيوانات الشاردة، هنا وهناك، يشاركها كلبه شير.

كانت الرياح السافية تهب حارة كثيفة مشبعة بهوائها الساخن من حين لآخر في آفاق الصحراء الواسعة فتلطم أعمدة الخيمة وتحركها، تنهد الأمير بحسرة وحرقة ومرارة وأسى وسرح طرفه في الأفق البعيد فرأى أنه قد أصبح كعود في عباب هذه الصحراء المتلاطم، برماله ورياحه الهوج العاتية تلعب به كما تشاء، وقد غمر الحزن العميق قلبه وأفعم فؤاده، وحال بينه وبين أهله الذين تركوه في فجوج الصحراء وبين نجادها وأوديتها حيث قطعتها قوافل العشيرة بالنوق والجمال القوية السريعة وهذا ما عبر عنه بقوله:

هلي بالدار خلوني وشالوا

على حدب الظهور اليوم شالوا ... وحايل دونهم كور وسراب

يقول: إن أهلي قد ارتحلوا وحملوا أمتعتهم وتركوني وحيدًا كالعود في الشلال يتقاذفه موجه ويحمله من مكان إلى آخر، وقد سافر هؤلاء القوم على متون النوق القوية، وحال بيني وبينهم أنجاد الأرض وأغوارها وفيافيها. ... ولا ينفع بهم عذلي ولوماي

بزغ الفجر صبيحة أحد الأيام طلقًا رخيًا، فنشر أشعته الفضية البهيجة في أفق تلك الصحراء الشاسعة، وألقى ظلاله البهية على فيافيها وحصبائها ورمالها الكبيرة، وما لبثت الغزالة في أفق السماء أن تبدت من خدرها، فتجلى رواؤها وسناؤها المشرق، كان جمال الصحراء يبدو في أبهى حلله، وأمتع مباهجه، فقد خلعت أشعة الشمس على كثبان الرمال وأنجادها، ووهادها حلة قشيبة من الجمال المنعش الممتع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت