مضى رجال القوم في تأهبهم واستعدادهم للرحيل ولم يستطيعوا أن يركنوا إلى النوم طويلًا في تلك الليلة فقد نعموا بإغفاءة قصيرة، ما لبثوا أن استفاقوا بعدها في وهن الليل وقد علت ضوضاء الرجال وأصوات الحيوانات وعواء الكلاب فأيقظت النائم وحفزت المتراخي والساجي للوثوب والعمل والتهيؤ فقد أزف موعد الرحيل.
بدأت قوافل العشيرة برجالها ونسائها وظعائنها ومواشيها قبل حلول الفجر بالارتحال وسارت تقطع الفيافي والرمال، وتسير بما في ذلك والد الأمير وأولاده وزوجته الثانية (ثريا) وقد ودع القوم فارسهم ورئيسهم المغوار بإلقاء النظرة الأخيرة عليه بمرارة ولوعة، وارتحلوا وقلوبهم تنفطر حزنًا وأسىً على ما حل به وساروا وهم يلتفتون إلى خيمته قبل فراقهم له وقطعت ظعائنهم وهوادجهم وركابهم مسافة يسيرة، عند ذلك نبح الكلب (شير) حارس الأمير نباحًا محزنًا باكيًا من وقع الفراق وكان عواؤه قويًا متواصلًا مما جعل الأمير يستيقظ من غيبوبة المرض فسأل خادمه عن الأمر فأنبأه هذا أن القوم قد ارتحلوا لا يلوون على شيء لأنهم قد نفذوا ما عزموا القيام به، وإن الكلب يبكي الألفة والفرقة، فلم يهدأ عواؤه طوال ذلك اليوم، فيرى الأمير الوضع وهو طريح الفراش فيقول لكلبه:
هلك شالوا على مكحول يا شير
يا لو تبكي بكل الدمع يا شير ... هلك شالوا على حمص وحماة
أي: أن قومك أيها الكلب (شير) قد حملوا أمتعتهم على الإبل القوية ورحلوا وتركوا لك لحوم النوق وعظامها ولو سكبت على فراقهم دموعًا غزيرة، وبكيتهم ما شاء لك البكاء فلن تستعيدهم لأنهم قصدوا إلى مدينتي حمص وحماة، وتركوك وحيدًا في هذه البادية فخفف عن عوائك وأقلل من بكائك. ... وخلوني كلعود ببطن شالوا