في عشية إحدى الليالي كانت الرياح الخفيفة الندية تهب من حين إلى آخر فتنتعش النفوس وتفرح القلوب، وقد سطع القمر متلألئًا بهيًا في سماء الصحراء الشاسعة، وتلألأت النجوم والكواكب منيرة ذلك الأفق الواسع بنورها الفضي، وقد انعكس نشاط الطبيعة على وجوه الرجال وسرت عدواه إلى أجسامهم وعزائمهم فكانوا يشاهدون في حركة دائمة لا تفتر، وقد أخذوا أهبتهم للرحيل وبدأوا في تلك الليلة المقمرة يحزمون أمتعتهم للتأهب والرحيل، فكان رب الأسرة منهم يقوم بعمل ما يجب عليه يساعده في ذلك أولاده وزوجته وذووه، وقام الرجال الأشداء في العشيرة بنقل المصابين بداء الجدري ووضعهم في خيام خاصة نصبوها بعيدًا عن مضارب القبيلة ووضعوا إلى جانبهم أواني فيها الطعام والماء، أما الأمير عبد الله الفاضل فقد وضعوه هو وزوجته ليلى في خيمة كبيرة، ونحروا له بكرًا من الإبل طعامًا لهما، ووضعوا الماء وما يلزم من الأغطية والحشايا وتركوا له خادمًا قوي الجسم مفتول الساعدين، نشيطًا ليقوم بخدمتهما، كما تركوا أحد كلاب الأمير القوية ويدعى (شير) ليقوم بحراستهما.
كان الأمير رهين المرض في الخيمة التي وضع بها، وقد استولت عليه حمى ذلك الداء فهدت قواه، وانحلت جسمه، وجعلته طريحًا تنتابه الغيبوبة التي لا يصحو منها إلا في بعض الأحيان فيستعيد بعض وعيه ومداركه ثم لا تلبث وطأة الداء الخبيث أن تشتد عليه فتجعله يعود إلى غيبوبته الأولى، وهكذا كان...
وربما كان الأمير قد علم لمامًا بقرار القوم بالرحيل العاجل ولكن ماذا كان بوسعه أن يفعل؟ فالمرض الجاثم على صدره أشد وطأة عليه وأعظم بلاء لأن الحمى تشتد عليه بين آونة وأخرى والموت أقرب إليه من حبل الوريد.
وما أعظم هذه اللحظة، وما أشدها وقعًا في نفس ذلك الشهم الشجاع، الذي لم يخشَ المصائب الكبيرة الجسام التي لقيها في حياته ولكن الحوادث أقوى من الرجال.