فهرس الكتاب

الصفحة 2099 من 23694

وقد عرف البدو منذ القدم أن المرض الفتاك ينتقل بعدوى الملامسة إلى الباقين لذلك درجوا على عادة مبدئية لمكافحة سريانه إلى الآخرين وهي عزل المريض في خيمته وإبقاؤه بعيدًا عن خيام العشيرة الأخرى، وكان لابد لهم من اتخاذ قرار حاسم، وقد عزَّ عليهم أن يقعِدَ المرضُ زعيمَهم ورئيسَهم ويدعوه للتخلف عن قيادة اجتماعاتهم وعهدهم به أنه كان السباق لكل أمر جلل أو شأن كبير يحل بالعشيرة أو مصاب يداهمها حيث كان رأيه هو النافذ، وكلمته هي المسموعة.

والواقع أن خطورة الوضع التي ازدادت سوءًا بمرض الأمير وزوجته دعتهم إلى عقد اجتماع نهائي أخير حضره الأمير فاضل والد عبد الله وهو شيخ طاعن بالسن قد تجاوز العقد السابع من العمر وأوهنت الأيام قواه، وأحنت الشيخوخة ظهره، فدلف إلى القوم وهو يدب دبيبًا يتوكأ على عصاه بيد عارية الأشاجع، وقد ارتسمت إمارات الاهتمام ودلائل الأسى على وجهه وقسماته المكدودة.

وأخيرًا أقر المجتمعون الرأي الذي أزمع عليه معظم الرجال وفكروا فيه منذ حين وهو الرحيل عن هذه الديار من البادية إلى جهات أخرى، وترك المصابين بالجدري في أمكنتهم بالصحراء ليقضي الله بهم أمرًا كان مفعولًا ودون استثناء أحد بما في ذلك الأمير عبد الله نفسه وقد صعب عليهم أن يتركوا قائدهم وفارسهم المغوار ولكن لابد من ذلك الوضع الذي ألجأتهم إليه الظروف القوية القاهرة الخطيرة وقد وافق والد الأمير على رأيهم ولم يستطع أن يعترض أو يبدي حلًا ما فالأمر جلل والمصيبة عظيمة ومصلحة الجميع خير من المصلحة الخاصة، إلا أن هناك أصوات بعض الرجال الذين يقدرون الأمير وشجاعته وفضله على العشيرة قد استنكروا تركه في البادية فريسةً للمرض وضحيةً للداء، ولكن لم يكن بوسعهم إجراء شيء تجاه عادات البدو الموروثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت