وفي معرض حديث ابن الأثير (ت237هـ) عن ألفاظ فاتحة الكتاب، قال:"وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ، وجدناها سهلة قريبة المأخذ، يفهمها كلّ أحد حتّى صبيانُ المكاتب وعوامّ السّوقة" (10) . فالمكاتب هي أمكنة تعلّم الصّغار.
بيد أنّ ميزة المدرسة على الكُتّاب تظهر"في أنّها تهيّئ المساكن للطّلاب، وتوفِّر لهم الجرايات. ولذلك، فإنّها لابدّ أن تحكم تنظيمًا يخضع الطّلابُ له" (11) . وقد وضّح هذا التّنظيم، مفصّلًا، الشّيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى العبدوسي خطيب القرويين (ت849 هـ) بقوله:"إنّما يسكن المدرسة من بلغ عشرين سنة فما فوقها، وأخذ في قراءة العلم ودرسه بقدر وسعه، ويحضر قراءة الحزب صبحًا ومغربًا، ويحضر مجلس مقرئها ملازمًا لذلك، إلاّ لضرورة من مرض وشبهه من الأعذار المبيحة لتخلّفه. فإذا سكن فيها عشرة أعوام ولم تظهر نجابته، أخرج منها جبرا لأنّه يُعطّل الحبس.. وكذلك لا يجوز أن يعير بيتًا تحت يده بالمدرسة، فإنّه لم يجعل له إلا السّكنى به خاصّة.. وكذلك لا يجوز لمن ينقطع للعبادة ويترك دراسة العلم سكنى المدرسة؛ لأنّها لم تُحبس لذلك، وإنّما حُبِسَت لمن يتعبّد بقراءة العلم، مع عبادة لا تشغله عن القيام بما قصده المحبس من العكوف على دراسة العلم وشبهها من حضور مجالس العلم" (12) .