ويعرض تأبط شرًا حجج العاذل ومنطقه المستنبطة من واقع الحياة الداعي إلى القناعة وإلى تسخير المال لتأمين سبل الحياة ومستلزماتها المادية من الثياب والحوائج، وفق الظروف الاعتيادية ومنطقها، وليس في ظروف الحياة الجديدة التي آل إليها الشاعر وما تفرزه من معطيات جديدة، ثم ينبري للرد عليها عبر مناقشة هادئة استمدّ مقوماتها من حقائق الحياة ورؤيته الخاصة لها فيقول:
عاذلتي إنَّ بعضَ اللّوم منفعةٌ
إني زعيمٌ لئن لم تتركوا عَذلي ... أنْ يسألَ الحيُّ عني أهلّ آفاقِ ( [26] )
أن يسألَ القومُ عني أَهْل معرفةٍ ... فلا يُخبرهمُ عن ثابتٍ لاقِ
يستدرج الشاعر لائمه استدراجًا طفيفًا، فيقر بوجود وجوه المنفعة لبعض اللوم، لكنه سرعان ما يرتد عبر أسلوب الاستفهام الاستنكاري ناهضًا لرد الحجة، مرددًا الحقيقة الأزلية التي تفرزها الحياة، إذْ أن كل الأمتعة والحوائج التي يحتويها الإنسان ويستخدمها، آيلة إلى الزوال، كما الإنسان نفسه، وتنتفض إرادة الحرية التي تأبى إخضاع النفس لمعارف المجتمع وقوانينه التي رفضها الشاعر قبلًا، مهددًا عذاله وخذاله بقطع ما تبقى معهم من صلات، والانطلاق إلى الآفاق الرحبة في مجاهل الأرض، التي لا يعرفها ويصل إليها أحد، حتى أهل الخبرة والدراية، لن يتمكنوا من استقصاء مكانه ومعرفة السبيل إليه، فهل احتكار معرفة المكان المختزن لدى الشاعر، يعد معادلًا للإدراك العام الذي يتنبأ به تأبط شرًا انطلاقًا من موقع الشاعر الريادي بشكل عام، وما يمثله من وعي أكثر رقيًا ومعرفة من الآخرين؟!.. ... حتى تُلاقي الذي كلُّ امرئ لاقِ