تطلّب إبراز الجانب الجسدي وعناصر قوته تقديم الجانب الخَلْقي لذات الشاعر فيما سبق من أبيات، وكان من الطبيعي، وتأسيسًا على وحدة الموضوع وسياقه المنطقي، أن يستدركه بعرض الجانب الخُلقي. وانطلاقًا من طبيعة حياة تأبط شرًا، وحياة غيره من الصعاليك ومقتضياتها، يأتي الكرم سمة بارزة وعلامة مميزة. بيد أن طريقة العرض في الجانب الإبداعي لم تكن على نحو مباشر، فاتخذت طريقها ردًا على اللائمين العاذلين الذين ألحوا على تأنيبه لتبذيره أمواله وإنفاقه بشكل غير مسوّغ، وتطلب ذلك إجراء مناقشة موضوعية، وقد عبر عن ذلك بالقول:
بل مَنْ لِعَذَّالةٍ خذَّالةٍ أشِبٍ
يقول أهلكْتَ مالًا لو قَنِعْتَ به ... من ثَوْبِ صِدْقٍ ومن بَرٍّ وأعْلاقِ ( [25] )
ينتقل الشاعر من الجانب الخَلْقي إلى الجانب الخُلقي بحرف العطف دلالة على تكامل الجانبين في ذهنه، ووحدة الموضع الذي يرمي إليه، فيعظم من شأن العذال مستخدمًا أسلوب الاستفهام الاستنكاري، وكأنه يلمح إلى دقة الحجج ومنطقيتها، بحيث لا يتمكن من الرد عليها إلا صاحب رأي قاطع كان قد أفصح عنه بأنه يعي غيره، ويصرم آراءهم، لتعود مرة أخرى وتصب في كيان الذات المتورمة. ويبدو تأثير جماعة العاذلين المعترضين على سلوكه في إنفاق المال شديدًا مما دفعه إلى معادلة وضعهم باستقدام أقصى غايات التعبير اللغوي، التي ارتسمت مبالغة مشددة، وتتعمق على نحو أوضح في الصورة التي قاربت فيها وضع المعترضين، ليجعلها في مصاف الحروق الشديدة التي تجعل الجلد متهتكًا. ... وهل متاعٌ وإن أَبْقَيتُه باقِ