فهرس الكتاب

الصفحة 20962 من 23694

ولكي يؤكد الشاعر حضوره في الوصول إلى الذروة، يقدم كشفًا حسيًا بصريًا لما رآه في القمة، إذ ثمّة بضع خشبات منصوبة يستظل بها الربيئة، تقع عن حدود القمة وحافتها المشرفة على الهواء. إن هذه التفاصيل الدقيقة، تُعّد في واحدٍ من الوجوه تعبيرًا عن صدقه في القول، وإثباتًا لقدراته الجسدية التي عرضها من قبل، وتقدم للمتلقي لمحات عن شظف حياة الصعلوك، وتفاعله مع سير تواترها اليومي. إن القوة التي تغالب الموت لتستقر في معترك حياة يموج بالمخاطر، وبرؤى الموت المفاجئ الذي قد يختفي عند كل منعطف، تأخذ تلاوينها الدالة على البؤس الشديد في صورة الشرثة الخَلَق الممزقة، وتعدُّ مثالًا حيًا عن ضعف الإمكانات المادية التي تسيطر على حياة الصعلوك الضنكة. وفي ضوء ذلك يمكن تفسير ظاهرة التورم في الحديث عن عناصر القوة البدنية التي يراها الشاعر ويدعو إليها، وما تجيش به النفس الإنسانية الطامحة إلى الحياة، المتعلقة بها لتحقيق المعادلة الصعبة بين ضعف الإمكانات المادية والبؤس الاجتماعي من جهة، والتعويض عنهما بالقوة البدنية والرأي السديد والحزم في القيادة من جهة أخرى.

وعلى الرغم مما يعتور الأبيات من ألفاظ صعبة وكزّة، تجعلها غريبة غير مأنوسة، فإننا نحسب أن وضعها وسياقها كانا منطقيين، لأنها تعدّ مسميات لمواقع مستخلصة من واقع البادية والصحراء عبر تموجاتها (التضاريسية) وهي المواطن التي يلجأ إليها الشاعر وأمثاله في ظروف الحصار المضروب عليهم من كل صوب، لذلك تتلاشى أسماء الفاعلين ومبالغاتها، ليأتي التعبير اللغوي المعادي وصفيًا منسابًا، مشكلًا استكمالًا لوثيقة معبرة عن واقع الحياة كما شهده الشاعر وأقرانه من الصعاليك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت