وإذ يصرم الشاعر القول، ويُعيي الآخرين منذرًا بالقطيعة، يضع ختامًا للمناقشة رافضًا قيود المجتمع، وبعضًا من مفاهيمه السائدة، مفصحًا عن رأيه: بأن على المرء أن يسدَّ ثلم الفقر وفروجه حتى يلاقي الموت، ويختتم القصيدة ببيان مكانته التي كان قد ألمح إليها عبر ما استقر من أبيات على نحو قصدي مباشر، وفي أحيان قليلة، ولمع بسيطة على نحو غير مباشر، يقول الشاعر:
سدّد خِلالكَ من مالٍ تُجمِّعُه
لتقرعَنَّ عليَّ السنَّ من نَدمٍ ... إذا تذكَّرْتَ يومًا بعضَ أخلاقي
وتتخذ ظاهرة الرفض لمنطق اللائمين بعدها في لغة الشاعر الخاصة، مرتسمة في فعل الأمر الذي يملأ الساح"سدّد"، وما يوحي به من رأي حازم، وما يدل عليه من بعد تبشيري يعد بإنفاق المال المكتسب وفق الشروط التي يحددها الإنسان نفسه، كما تبدو جليّة في لام الأمر التي تتصدر فعل"تقرع"وما والاه من نون التوكيد الثقيلة، كل ذلك بقصد بيان حالة الفراغ الخلقي الكبير الذي سيخلفه الشاعر في حال ارتحاله، والقيمة المعنوية التي يؤملها على آرائه ورؤيته للحياة.
كان الشاعر منذ البداية، يحلم بإنسان جديد، يحمل مواصفات تتطلبها طبيعة حياة الصعاليك الجديدة، والتي انتهى إليها طوعًا أو كرهًا، وظل العمود الفقري لمواصفات الإنسان المبتغى، يتردد صداه على نحو مستقل، أبدعه ذهن الشاعر وفكره وفهمه، غير أن العامل الموضوعي لم يستمر متصاعدًا، مما دفع بالذات الشاعرة لأن تتخذ من نفسها مثالًا دالًا، محددة الغاية المرجوة والوظيفة الاجتماعية لها بالغزو والإغارة. مما أدى والحال هذه إلى وحدة الموضوع في القصيدة، بحيث آل إلى كُلٍّ واحد، ولن يؤخذ المتلقي بالانعطافات والفرج التي بدت واسعة بعض الأحيان، في أثناء الحديث عن ليلة صدامه مع فرسان بجيلة ومغامرته وأقرانه معهم، وكذا الأمر في ليلة تسنمه ذرى القلة ونعامتها المهجورة، فإن الانعطافين يقعان تحت سقف الذات المثال.