لقد حدد الشاعر رؤيته الحالمة للإنسان بمدى قدرته على حصد الحمد والسبق إليه، بيد أن الحمد المراد، مجرد غاية عامة وعنوان كبير، وجد الشاعر أن من حق المتلقي أن يعرف تفاصيل ذلك العنوان الرحب ذي الآفاق الممتدة، فقرر المعايير التي تحدد كسب الحمد بقوله:
سَبّاقِ غاياتِ مَجْدٍ في عشيرته
عاري الظنابيبِ مُمْتَّدٍ نواشرُه ... مِدْلاجِ أَدْهمَ واهي الماءِ غسَّاق ( [16] )
حمّالِ ألويةٍ شّهادِ أنْدَيَةٍ ... قَوّالِ مُحْكَمَةٍ جوّاب آفاقِ ( [17] )
ويتصدر معايير تأبط شرًّا، القدرة الفائقة على القيادة، والحزم الصارم إزاء ترؤسه لجماعته أيًا كان عددها، لا يُستثنى من تلك القاعدة الدقيقة أحدٌ، ولا يقفز فوقها إلا من تمكنه إمكاناته الذاتية الخاصة من السبق إلى تنسم ذرى المجد وصولًا إليه. هنا يسقط الشاعر مفهوم المجد المتوارث، ليحلّ محله المجد المتأتي من الإرادة الغلابة والتصميم الثابت للإرادة البشرية وإمكاناته الثرة. ... إذا استغثْتُ بَضافي الرأسِ نَغّاقِ ( [18] )
وإذا كانت راية القوم في القتال لا تدفع إلا لمن اشتهر بصبره، ووثق بشجاعته، فالإنسان الذي يرجوه تأبط شرًا ويأمله، هو من يقدر على حمل الراية والنهوض بموجباتها من ثبات في القتال واستبسال في ساحاته، وتصدر الصفوف في المواجهة، ويتوجب على المأمول أن يمتلك من سداد الرأي ما يمكنه من قطع كل قوم وصرم ما يعيا به غيره، وأن يكون كريمًا بما يكفي لحضور منتديات القوم، حيث تقرر شؤون الجماعة وسبل حياتها، وإذا كان الغزو أحد السبل التي قبل بها المجتمع الجاهلي وأقر شرعيتها، فإن تأبط شرًا قد ارتقى بها لتكون قاعدة ويصبح المأمول عند هذه النقطة جواب آفاق لا يميل إلى الدَّعة والإقامة في الحيّ، بل يجوب آفاق الصحراء المترامية الأطراف غازيًا، ضاربًا بين جنباتها، مقتحمًا مجهولها، فيتناهى شعور الخوف إلى درجة الصفر، وتغدو الشجاعة ضربًا من الضروب اللازمة لحياة الإنسان.