وإذا كان منطق رفض الواقع القائم والثورة عليه، نزوعًا إنسانيًا مبكرًا، فإن قلّةً من البشر هم الذين يرفضون الواقع وينتقدونه، ويطرحون الصورة البديلة، وتأبط شرًّا وحد منهم، إذ يتابع الكشف عن مقومات الحلم، ومستلزمات تحقيقه في الواقع كما يراه، فهو جملة من الأخلاق والقيم وقواعد السلوك أفصح عنها الشاعر مستكملًا:
ولا أقولُ ـ إذا ما خلَّةٌ صَرَمَتْ ـ
لكنما عِوَليَ ـ إن كنْتُ ذا عِوَلٍ ـ ... على بَصيرٍ بِكَسْب الحمد سبّاقِ
أما وقد كشف الشاعر عن بعض من رؤاه لمقومات الصديق ليلة صدامه مع فرسان بجيلة، فإنه لا يلبث أن يواصل مسألة النأي والبعد التي ترسخت في أعماقه منذ انسلاخه، واتخذ البعد منحى أصدقاء لا يحملون المقومات التي يريدها، فلا يأسف على مفارقتهم، ولا يلوم نفسه للبعد عنهم، وعلى النقيض من ذلك فإنه يبكي بحرارة على صديق آخر يملك مجموعة من النظم القيمية، يأتي في مقدمتها، البصير السبّاق إلى كسب الحمد ورضا الجماعة، وتتجاوز الصفة المشبهة"بصير"معناها المستمد من الحاسة البصرية في الرؤية، لتصل إلى مرحلة وعي الحمد، وإدراك مراميه وأبعاده ومقوماته، وترتبط بالنتائج المتحققة ـ بكسب الحمد ـ بكل ما يحمله مصدر الكسب من إيحاءات، وإذا ما أضيف إلى أبعاد الصفة المشبهة مبالغة اسم الفاعل"سبَاق"، نستطيع أن ندرك حماسة الشاعر للإنسان البديل ورغبته العارمة في استقصاء ذلك الإنسان واستحضاره، ليكون متمثلًا على أرض الواقع، يعيش بين ظهرانيه، لا حلمًا بعيد المنال، ولكي ينفي الشاعر أي أثر يستقى من مصدر العول الذي يحمل البكاء والحرقة، فقد قدم الجملة على نحو اعتراضي لا تؤثر على مجمل المعنى، ولا تقلل من شأن الغاية القصوى التي يبتغيها.. ... مُرجَّعِ الصوت هَدًّا بين أرفاق ( [15] )