فهرس الكتاب

الصفحة 20956 من 23694

لقد استنفر الحصار المضروب على الشاعر القوى الكامنة في خبايا النفس الطامحة، والجسد الذي زادته الأيام صلابة، فلم يجعله الجوع المتطاول، وشظف العيش النكد، إنسانًا ضعيفًا مقهور الإرادة، فاتخذ من صورة الظليم المتناثر ريشه سبيلًا إلى تسهيل العدو واطراده، ولمّا أحسّ أن تلك السرعة تقصر عما تريد نفسه الطموح، استعان بصورة الظبية المستجمعة لكوامن القوة والنشاط عبر ما تراكم لديها من مرعى وغذاء، لقد حرر العدو السريع إرادة الشاعر، وحرر مبادرته ليؤول إلى كل ما يستجمع الجواد الأصيل من خصال، وإلى كل ما يمثله النسر المحلق بين شماريخ الجبال وقممها من استعلاء وعنفوان. إن الجهد المكثف في بيان المقومات الجسدية، شكل قدرات استثنائية، ضرورية ولازمة لصورة البديل التي يراها، وهي مع الصديق الذي يمتلك القدرات نفسها، والإخلاص المشرق ذاته، يمكّنان من تشكيل قوة حاسمة، كان أحد أبرز نتائجها التغلب على فرسان بجيلة، وما يملكون من تفوق في العدد والعدة، فكان أمر الفكاك من الأسر سهلًا والاحتفاظ بالأسلاب التي استاقها الشاعر متيسرًا.

لقد فاحت من بين سلسلة الصور المتعددة، التي عبرت عن قدرات الشاعر، رائحة التأكيد على الذات في مواجهة الانسلاخ القبلي، وأخذت هذه الذات تتضخم رويدًا رويدًا حتى بلغت حدود الانتفاخ، لتعادل بذلك قوة العصبية القبلية، غير أن حبلًا سريًا ظلّ يُغذي الذات المتورمة ويمدها بأسباب النماء، يعتمد السرعة الفائقة التي تمكن صاحبها من السطو والفرار عدة الصعلوك وأساس عيشه. إننا نستطيع أن نسلم بشيء من الاطمئنان أن ذات الشاعر المتضخمة هي الصورة البديلة للإنسان المبتغى، الذي يكون فردًا فاعلًا في مجتمع جديد، له قيمه ومعارفه ومستلزماته البدنية والخُلقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت