وزرياب ككثيرين غيره، في الأزمنة المتتابعة، من تلامذة الحضارة القديمة في بلاد الشام والتي عرفت الرقص والغناء في الهياكل والمسارح، واستخدمت الآلات النفخية والوترية منذ قرون تسبق الميلاد، والتي كان امتدادًا لها وجود حضارة قرطاجنة في تونس ثم في الأندلس قبل العرب فيها.
لقد دلَّت اللوحات الأثرية التي أظهرتها التنقيباتُ في مناطقَ مختلفةٍ من أرض كنعان في سورية وسائر بلاد الشام والعراق، على أن أكثر أشعار أبناء هذه المناطق وبخاصة ما كان منها بين النهرين وعلى الساحل السوري، كانت تُغنّى ( [5] ) منذ الألف الثالث قبل الميلاد، على المسارح العامة أو تُمثَّل.
وقد جاء فيها كثير من ذكر الآلات الموسيقية وصورها، كالقيثارة والمجوز والأرغول والناي والطبول وسائر الآلات الوترية التي جاءت بخمسة أوتار وبسبعة وبعشرة ( [6] ) ..
ولم تكن الهياكل المصرية ( [7] ) أقلَّ عناية بالموسيقا والرقص والغناء، فالمنحوتات على أعمدتها وجدرانها تُبرِز صورًا مذهلة لأشكال مختلفة من الرقص الذي يكاد يبدو مكررًا ومعادًا في كثير من رقصات عصرنا وآلاته.
وربما عرفَتْ مكتبةُ قرطبة التي كانت تضم ما يقرب من أربعمائة ألف مجلد ( [8] ) فيما عرفته من كتب المبشرق، كتب الكندي (260 هـ / 873م) والفارابي (339 هـ / 950م) وغيرهما ممن قالوا في الموسيقا أو كتبوا عنها.
فإقبال الأندلس على كتب المشرق كان كبيرًا، وكانت تُرْسَل للحصول عليها الرسل، وقصة محاولة الحكم بن عبد الرحمن الناصر لدين الله (366 هـ / 976م) الحصول على نسخة من كتاب"الأغاني"من صاحبه بمبلغ ألف دينار من الذهب، مذكورة في كتب التراث.
وإذا ما علمنا أن بيروت وبعلبك وغزة، صدّرت الممثّلين وعازفي الناي والموسيقيين ( [9] ) إلى مسارح روما منذ القديم، فإنه يصبح من المقبول أن نقول: