مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 95 - السنة الرابعة والعشرون - أيلول 2004 - رجب 1425
فهرس العدد
هذا الغناء وهذه الموسيقا: ... يهنّيه بذا العام الجديد ـ (الوافر)
إن الحكم الذي نقله عبد الرحمن الداخل، صقر قريش (138 هـ / 172 هـ /788م) لم يكن إلا امتدادًا للحكم الأموي في دمشق، واستمرارًا لما قامت عليه الدولة الأموية من ثوابت وقيم وحضارة، لذلك ازدهر في عهده وفي عهد من خلفوه، الأدب والعلم والعمران، فارتفعت القصور العامرة، وتدفقت نوافير المياه من أفواه الأسود الحجرية وغطت صحونَ المساجد والقصور وساحاتها وحدائقها الأشجارُ والأزهار وقامت المدن التي تجمعت فيها القصور والمراكز المختلفة للدراسة والتدريس، وللشرح والتفسير والكتابة والتنظيم، ولكل أنواع الأنشطة الفكرية والدينية والاجتماعية والفنية والسياسية.
وارتفعت هذه المدن كقرطبة، وطليطلة وإشبيلية وغيرها، بفضل من وفد إلى الأندلس ( [1] ) من الأدباء والمغنين والجواري والقينات، ممن رافقوا عبد الرحمن أو ممن تبعوه أو استقدمهم أو ممن جاؤوا بعده، في عهد خلفائه.. فنافس المغرب المشرق طويلًا وأصبحت له شخصية لها خصائصها الأندلسية المستقلة، في الفكر والفلسفة والدين والشعر والغناء.
وفي مجال الغناء قدم زرياب سنة 206 هـ / 821 م هاربًا من حساده في المشرق ( [2] ) وكان لقدومه أثر كبير في الغناء، ولعل بين من رافقه إلى الأندلس، أو أحاطوا به، الكثيرين من المغنين والملحنين من تلامذته وأبنائه وبناته أو جوقته، من المغنيات والراقصات اللواتي كان المغرب يحفل بهن كثيرًا قبل قدومه ( [3] ) .
وقد أشار ابن خلدون إلى أهمية زرياب، وما لقيه من تكريم، وما تركه من أثر فقال:
"فأورث بالأندلس فن صناعة الغناء ما تناقلوه إلى زمن ملوك الطوائف ( [4] ) ."