فجُنَّ بها الملك، حتى صاح: واطرباه، ثم شقَّ ثيابه وأقسم على أن يمشي ابن باجه على الذهب إلى باب بيته.. فإن الملك نور الدين الزنكي (570 هـ /1174م) كان مهتمًا بحرب الفرنجة ورد ويلاتهم ومطامعهم عن البلاد الإسلامية، لذلك نجده يدعو وزيره العماد الكاتب (597 هـ / 1200م) إلى وضع أناشيد، بأسلوب"المربع"في معنى الجهاد وعلى لسانه، يشحن بها عزائم جيشه ( [36] ) عند ملاقاة الأعداء، وكان منها: ... مالي في العيش غيره من أرب
للغزو نشاطي وإليه
بالجد والجهاد نجْحُ الطلب ... والراحة مستودعة على الطلب
وإذا كان الوشّاحون في الأندلس، حتى في موشحاتهم المدحية، يتفنّنون في تصوير الخمرة والحديث عن مجالس اللهو والأنغام، كقول ابن زهر: ... واستنشق الزهرا
باكرْ إلى الخمر
فالعمر في خُسْرِ ... إنْ لم يكن سكرا
فإن الجهاد عند أسامة بن منقذ (584هـ /1188م) كان همَّه، وإن التفكير فيه يسليه عن الخمر والوتر: ... ولم يلهِنا عنه السماعُ ولا الخمر
جعلنا الجهاد همَّنا واشتغالنا
دماءُ العدا أشهى من الراح عندنا ... ووقْعُ المواضي فيهمُ الناي والوتر
وصدق ابن خلدون حين قال:"الغناء يحدث في العمران وأول ما ينقطع من العمران قبل اختلاله" ( [37] ) ، وإذا كان العمران من سمات مدن كقرطبة وطليطلة وسرقسطة وإشبيلية، في زمن عبد الرحمن الناصر لدين الله وابنه والحكم ( من 300 هـ / 912م ـ 226 هـ / 961م) ثم في زمن المرابطين والموحدين فإنه من الطبيعي أن ينتشر الميل إلى الترف واللهو وأن يزدهر الغناء، فاشتهرت الأغاني والألحان واشتهر أصحابها من أمثال ابن باجه الفيلسوف، وكان الموشح، هو المؤهل لأن يغادر بيئته الشعرية التي نشأ فيها، وأن ينسلخ عن القصيد ليصبح نموذجًا للأغنية الأندلسية الفصيحة التي نافسها على مواقعها بقوة الزجل العامي، الذي كثيرًا ما يأتي ذكره، في كتب الأدب: الموشح الملحون.