وعملت هذه الظروف الجديدة على تطوير الموشحات فصرفتها، بما أضيف إليها من تذييلات على اليمين أو على اليسار في آن معًا، أو من تراكيب متقابلة ومتجانسة، ومن خرجات عامية أشبه بالزجل، إلى أن تكون أغنية تفيد من موسيقا الشعر، تستخدم تفعيلاته وتوزعه توزيعًا جديدًا، لكنها تتحرر من قيوده، وتنأى عن تقاليده، لتصبح فنًا مستقلًا يوشي معانيه ويوشح تراكيبه بالصورة الساحرة، حتى إن من يلقي الموشح، يترنم به وكأنه يغنيه لما فيه من سحر، يصعب تفسيره، لكن يسهل وصفه، فقد نما وترعرع في ظل العمران والترف كما يقول ابن خلدون ( [34] ) ، أثناء حديثه عن صنعة الغناء في"مقدمته"فلمعت أسماء الوشاحين، أمثال ابن بقي (540 هـ / 119م) واشتهر ملحنون من أمثال ابن باجه (533 هـ / 138م) بينما معاصروهم من شعراء المشرق، حتى الميّالون منهم إلى المجون والخمرة، من أمثال ابن القيسراني (548 هـ/ 1145م) وابن منير الطرابلسي (548 هـ /1188م) ومن تأخر موت بعضهم إلى ما يقرب من العقد الثاني في القرن السابع الهجري، كابن الساعاتي (604 هـ / 1209م) والشهاب الشاغوري (615 هـ / 1318م) كانوا مشغولين بالأحداث الكبرى، كحروب صلاح الدين (589 هـ / 1193م) ضد الفرنجة واسترداد القدس منهم، وموقعة عين جالوت التي صدّ فيها قطز (659 هـ / 1260م) التتار وهزمهم، وما بينهما وبعدهما من وقائع مع الفرنجة، فراحوا يصفون هذه المعارك الطاحنة ويمجدون أبطالها وقادتها. ... وصِلِ الشكر منك بالسكْر
وإذا كان ابن"تيفلْويت" (ملك سَرَقُسْطَة وممدوح ابن باجة(533 هـ / 1138م) ومرثيهُ بألحان مبكية)، قد أطربه سماع مغنية له تنشده بألحان ابن باجه موشحًا يبدأ بِـ:
جرّر الذيل أيما جرّ
وينتهي بـ: ... لأمير العلى ( [35] ) أبي بكر
عقد الله راية النصر