وهناك سؤال يمكن أن نسأله أيضًا: أليس من المذهل أن تنتهي موشحات الأندلسيين إلى ابن سناء الملك بمصر (608 هـ / 1212م) وأن يضع مصنفًا يحتوي عليها.؟ ويضيف إليها بعضًا من جديد أوزانه، فمن قدّم له كل هذه النصوص الأندلسية، مادام لم يعرف شيخًا له ولا قرأ مصنفًا يحتوي عليها ( [32] ) ؟. وإذا كان ابن سناء الملك قد أنار الكثير من الجوانب الغامضة لفنَ الموشح، فإنه أوقعنا في غموض من نوع آخر، إذ جعل في مقدمة شروط صنع الموشح، شرط الخرجة التي يجب أن تكون حجاجية (نسبة لعبد الله الحجاج العراقي 319 هـ / 1000م) من حيث السخف، وقزمانية (نسبة لإمام الزجل ابن قزمان 555 هـ / 1160م) من حيث اللحن، وهذا يعني أن كل من سبق ابن قزمان، كعبادة بن ماء السماء (قيل 422 هـ / 1030م) ومن جاؤوا قبله، أو بعده كعبادة القزاز (500 هـ / 1106م) لم يقدموا نماذج من الموشح، تامة الشروط، مما يلغي ما قاله عنها ابن بسام وابن خلدون وسواهما، في هذا الشأن.
وهذا ما يدعونا إلى الظن بأن الموشحات خضعت لسنّة التطور وأنها لم تكن في بداياتها تختلف كثيرًا عن الصورة التي انتهى إليها تطور الأوزان والقوافي في المشرق، لكن الموشحات الأولى ضاعت ولم يبق إلا الإشارة إليها، غير أن ما أورده صاحب الخريدة ( [33] ) من أبيات مشرقية لابن قسيم الحموي (540 هـ /114م) ، وهي تقرأ على أكثر من أسلوب، بحسب تنوع القوافي، يؤكد ذلك، وهذه هي الأبيات:
قل للأمير أخي الندى
لازلت تنتهل العدى ... بالذابل ... العسّال في الأحشاء والأكباد
ووقيت من صرف الردى ... والنازل ... المغتال بالأعداء والحساد
وأكثر من هذه الأبيات شبهًا بالموشحات أبيات قالها علي بن عباد الاسكندري الذي قتله الحافظ الفاطمي (529 هـ/1134م) حتى وصفها العماد الأصبهاني (597 هـ / 1200م) بأنها ذات أوزان موشحات لشبهها بالموشح، ومما قاله: ... في كل خطب معضل ... لازلت من أصحابه
يا من ألوذ بظلّه