ثم يكثر استعمالها وتداولها فيخفت ما فيها من بريق فتصبح خالية من الإثارة، فتأخذ هذه الكلمات بحكم (قانون التضاؤل التدريجي) (81) طريقها إلى قلة الاستعمال أو ندرته ثم إلى الموت أو الهجر، مفسّحةً المجال لظهور ألفاظ أكثر إثارة لتحلّ محلها للدلالة على معناها، ومن الألفاظ التي أميتت بحكم (قانون التضاؤل التدريجي) الألفاظ الدالة على العملية الجنسية، والأعضاء التناسلية، وقضاء الحاجة ومكانها، فما أن يشيع اللفظ حتى يمات أو يهجر لأسباب اجتماعية، لكونها منافية للذوق الاجتماعي، أو أنها لخدش الحياء، أو تنافي الآداب العامة للمجتمع. فتُمات هذه الألفاظ بسلطة العرف الاجتماعي الذي يقوم بدوره بتقديم البديل عن هذه الألفاظ المماتة بصورة تتلاءم مع الذوق الاجتماعي ولا تنافي الآداب العامة، والكلمات العربية المماتة في هذا المجال أكثر مما نمثل بها، ومن ذلك كلمة"الكَنيف"، أصله الساتر، ومنه قيل للتُّرس كنيف، غير أنه استعمل في الحُفَر التي تستر الحدَث وشُهر بها (82) ، إلا أن هذه الكلمة بهذا المعنى أصبح يمجها الذوق الاجتماعي في عصرنا الحاضر، فاستُعمل بدلًا منها -للدلالة على معناها- كلمات مختلفة مثل كلمة"المرحاض"و"الحمّام"و"دورة المياه"وغيرها، بينما هجرت كلمة"الكنيف"، وكلمتا"الحمّام"، و"دورة المياه"أكثر استعمالًا اليوم من كلمة"المرحاض"مما يؤذن بموتها أو هجرها مستقبلًا.
وليس كل كلمة أميتت بسبب الابتذال -قانون التضاؤل التدريجي- تخلفها كلمة أخرى مستحدثة لتحل محلها في الدلالة على معناها، وهذا يحدث كثيرًا في بعض الكلمات الأدبية المجازية، وكلمات الشعارات المذهبية فيسلبها الابتذال قوة التأثير فيتضاءل استعمالها تدريجيًا فينتهي بها إلى الموت، ومن ذلك كلمة"الجرباء"بمعنى"السماء"و"ابن قمير"بمعنى"الليل المقمر"و"ابن ذُكاء"بمعنى"الصبح" (83) .