ولكن.. هل تموت الكلمات أو تنقرض أو تُهجر أو تُترك إلى الأبد؟ يقول فيرث:"إنه من الخطر أن تقول: إن كلمةً ما (قد ماتت) ، إذ إن هناك دائمًا احتمال (عودتها إلى الحياة) ، ولو كان ذلك بعد قرون عديدة من الهجوم والاختفاء من الاستعمال" (47) ، وكلام فيرث صواب إلى حد كبير، مثال ذلك"مومس"جاء في معجم لسان العرب:"امرأة مومس ومومسة: فاجرة جهارًا" (48) ، وهي كلمة يونانية"ميمُس"بمعنى الراقصة المعبرة برقصتها دون غناء أو تمثيل أو كلام (...) ثم دخلت إلى العربية قديمًا بمعنى: محترفة الدعارة الوثنية الدينية بجوار المعبد (49) ، فلما جاء الإسلام حرّم عبادة غير الله وكل ما يمتّ إليها بسبب، وكذلك حرم الزنى وكل ما يمت إليه بسبب فماتت كلمة"مومس"، ولكن مع تغير الظروف الاجتماعية وابتعاد كثير من المسلمين عن هدى الإسلام عادت كلمة"مومس"إلى الحياة بمعناها المعجمي أي: المرأة البَغِيّ الفاجرة جهارًا. ومثل هذا قد يحدث فتعود بعض الكلمات إلى الحياة ولو بعد قرون فتواصل سيرتها الأولى، وفي المقابل أن هناك بعض الكلمات ماتت إلى الأبد وليس ثمة احتمال لعودتها إطلاقًا ومثال ذلك ما أماته العرب من أصول بعض الكلمات مثل"ضَرَك"أصل ممات ومنه اشتقاق الضريك وهو المضرور، ولا يكادون يعرفون للضريك فعلًا، ولا يقولون:"ضركه"في معنى"ضره" (50) .
ومما أماته العرب مصدر بعض الأفعال وماضيها، فلم يستعملا البتة، فقد أماتوا المصدر من"يذر"والفعل الماضي معًا، واستعملوا الحاضر والأمر:"يذَر"و"ذرْ"، وإذا أرادوا المصدر قالوا: ذره تركًا (51) ، ولعل إبقاء الممات على حاله محكوم بقوة المحافظة، وهي نزعة طبيعية عند المتكلمين باللغة، تسعى إلى الإبقاء على النظام اللغوي كما عرفوه في جميع حالاته الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، لكي لا يتغير ولا يختلف، ولذلك تبقى هذه القوة الممات على حاله وخاصة إذا أميت لأسباب صوتية.