سعد الجميع بهذا الصلح ما عدا صلاح الدين، لأنه لم يره محققًا ما يصبو إليه من تحرير الأرض كاملة من الاحتلال الفرنجي، لذلك بعد أن اطمأن إلى عودة ريتشارد إلى بلاده أمر بتقوية حصون القدس وغيرها من القلاع (43) ، ثم دخل دمشق بعد غياب أربع سنوات، فاستقبله أهلها استقبالًا فريدًا، لم يستقبلوا به أحدًا من قبل (44) ، ولكن بقاءه فيها لم يطل، إذ مرض مرضًا اشتد به يومًا بعد يوم، وكان ابن شداد والقاضي الفاضل يلازمانه، وفي الليلة الثانية عشرة من مرضه، وهي ليلة الأربعاء 27 من صفر عام 589هازداد ضعفًا، وأسلم في فجرها روحه إلى بارئها، وكان يومًا لم يصب المسلمون بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدين (45) وبوفاته -رحمه الله -انتهى ابن شداد من جمع أخباره -كما صرح بذلك في نهاية كتابه (46) -وبعدها بزمن بدأ بتبييضها في كتابه هذا.
قصد ابن شداد في كتابه هذا ثلاثة أمور، بيّنها في آخر كتابه، بالإضافة إلى ما بيّنه في أول كتابه، وهي:
-حث الناس على الترحم على صلاح الدين، وأن يجزيه الله ما هو أهله.
-ذكر محاسنه وتخليدها.
-أن يحسن خلفاؤه من بعده الاقتداء به وإكمال ما بدأه (47) .
ولعل من المفيد أن نختم بحثنا هذا ببعض الملاحظات، وهي:
-لم يكن ابن شداد مؤرخًا جامدًا سلبيًا بالنسبة إلى صلاح الدين أو الفرنجة، لأنه كان محبًا لصلاح الدين معجبًا به جدًا، وكارهًا للفرنجة المحتلين.
-لكن هذا الحب والبغض لم يؤثرا في صدقه وإنصافه لأعداء صلاح الدين، ونجد ذلك في مثل تأريخه لانتصار صلاح الدين في ميافيارقين إذ يقول: (فحاصرها وقاتلها قتالًا شديدًا، ونصب عليها مجانيق، وكان بها رجل، يقال له الأسد، وما قصر في حفظها، ولكن الأقدار لا تغلب فملكها السلطان) (48) . كما يبدو أيضًا في إسناده نصر صلاح الدين إلى الله، ونرى ذلك في مثل قوله (وعصمه الله منهم) و (أدخل في قلوبهم الخوف والرعب) (49) .