تابع صلاح الدين تحرير البلاد من الفرنجة، حتى لم يبق معهم من المدن المنيعة سوى صور التي صارت مكان تجمعهم وإنطاكية وطرابلس. ولقد تم ذلك خلال عام ونصف (38) ، وهي فترة قياسية. وكان سبب هذه الانتصارات المتلاحقة أنه كان قائدًا عسكريًا شجاعًا ونبيلًا في آن واحد، وميزته الكبرى -كما يقول د /شاكر مصطفى -كانت بتقاه، ببساطة فكرة، بكرمه، بوفائه بالعهود حتى للأعداء، بمثاليته، وبأنه نموذج خاص من رجال الحرب والسياسة (39) .
أجج تحرير القدس نار الحقد في أوربة، فأرسلت الحملة الفرنجية الثالثة يقودها ريتشارد قلب الأسد ملك الإنجليز، وفيليب أوغست ملك فرنسة وفريديريك باربروسا إمبراطور الألمان (40) .
وكان من الضروري أن أتابع سيرة صلاح الدين مفصلة، وأتحدث عن صور البطولة النبيلة النادرة إلا أن ضيق المجال يدفعني إلى أن أبلغ سريعًا نهايتها، وهو صلح الرملة عام 588هالذي مهدت إليه مفاوضات استمرت خمسة عشر شهرًا، قام بها اثنان وأربعون وفدًا، كان البادئ في طلبها دومًا ريتشارد. وقد اتفق الطرفان على أن تبقى في يد الفرنجة يافا وقيسارية وأرسوف وحيفا وعكا، وتكون عسقلان خرابًا، واللد والرملة مناصفة، وأن تكون بلاد الإسماعيلية في هدنة صلاح الدين، أي معه، وإنطاكية وطرابلس في هدنة الفرنج أي معهم (41) ، وحرص صلاح الدين في هذا الصلح على ما يلي:
1-أن تكون مدته محدودة بثلاث سنوات وثلاثة أشهر.
2-أن يحصر الفرنج في أضيق بقعة ممكنة.
3-أن تبقى الجبال بيده، ليبقى الفرنجة بالأماكن المنخفضة فيكونوا تحت رحمته.
4-أن ينقذ أكثر ما يمكن إنقاذه من مكاسب حطين.
5-أن يفتح القدس للحجاج الفرنجة دائمًا، بعدما رفض طلب ريتشارد أن يأخذوا موافقته على ذلك، ليريهم السماحة والحرية والحضارة الحقة.
6-أن يستمر في تقوية حصون القدس وغيرها استعدادًا لتحرير كامل الأرض المحتلة بعد انتهاء الهدنة (42) .