فهرس الكتاب

الصفحة 20800 من 23694

إن انتصار صلاح الدين في حطين لم يجعله يؤثر الراحة والكسل مكتفيًا به، وإنما كان له حافزًا، ليتحرك بسرعة، ويحرر قلعة طبرية وعكا وتبنين وبيروت وعسقلان (33) ، ممهدًا بها لتحرير القدس الذي حررها صلحًا الجمعة السابع والعشرين من رجب عام 583ه‍، في ذكرى الإسراء والمعراج، ولقد استبشر الناس بذلك التوافق بين المناسبتين، وكان يومًا مشهودًا. وخرج الفرنجة من القدس، وبقي أهلها من المسيحيين فيها لم يمسهم سوء يرحبون بصلاح الدين. دفع أغنياء الفرنجة الفدية، وهي عشرة دنانير على الرجل، وخمسة على المرأة، واثنان على الطفل، وتحمل صلاح الدين دفع فدية فقراء الفرنجة الذين خذلهم ملوكهم وأغنياؤهم وأطلق سراحهم، وكان -حسب اتفاق الصلح -ينبغي أن يعدوا مماليك عبيدًا، وأوصل كل من خرج من الفرنجة إلى مأمنهم (34) . ولا بد من أن يعقد الإنسان مقارنة بين تسامح صلاح الدين مع الفرنجة عند تحرير القدس ووحشية الفرنج عندما احتلوها، وما فعلوه من فظائع، تذكرنا بها فظائع اليهود فيها وفي جنين ونابلس وغيرها اليوم.

وسرعان ما غادر صلاح الدين القدس إلى"صور"يريد تحريرها، فحاصرها، إلا أن انتصار الأسطول الفرنجي على أسطوله ودخول الشتاء وتعب الجند وتذمر الأمراء جعله يرجئ ذلك إلى الربيع (35) ، وفيه بدأ بحصار حصن كوكب القريب من صور عام 584ه‍ (36) ، وهنا دخل ابن شداد في خدمته، ولقد صرّح ابن شداد أن جميع ما رواه من قبل إنما هو روايته عمن يثق به ممن شاهده، وأن ما سيرويه بعد ذلك مما رآه بعينه عامة (37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت