وبسبب شيخوخته بعد ذلك تضاءل دوره السياسي والإداري، ولكن دوره العلمي استمر حتى أواخر عمره، إذ ظل ملازمًا لمجالسْ العلم ومجالسة رجالاته ( [31] ) ، وكان يسلك طريق البغاددة في ترتيبهم وأوضاعهم وملبوسهم، والرؤساء الذين يترددون إليه كانوا ينزلون عن دوابهم على قدر أقدارهم، لكل واحد منهم مكان معين لا يتعداه ( [32] ) ، وصار للفقهاء في أيامه حرمة تامة، خصوصًا أهل مدرسته، فإنهم كانوا يحضرون مجلس السلطان، ويفطرون على سماطه في رمضان، كما مدحه بعض الشعراء، ومنهم ابن خروف الشاعر الذي مدحه واستهداه فروة قائلًا:
بهاء الدين والدنيا
طلبت مخافة الأنوا ... ء من نعماك جلد أبي
وفضلك عالم أني ... خروف بارع الأدب
حلبت الدهر أشطره ... وفي حلب صفا حلبي ( [33] )
وبعد ثلاث وتسعين سنة من التعب المضني في ميادين السياسة والعلوم والآداب أسلم روحه لبارئها في حلب عام 632 ( [34] ) ، ودفن في تربته التي أنشأها، ولازم الفقهاء والقراء تربته مدة طويلة يقرؤون القرآن الكريم فيها.