فهرس الكتاب

الصفحة 20787 من 23694

جعل صلاح الدين ابن شداد قاضي عسكره ( [11] ) ، وأول قاض للقدس وناظرًا لأوقافها بعد تحريرها ( [12] ) ، وصار أيضًا واحدًا من أقرب أصفيائه وموضع سره لا يفارقه ليل نهار، ويرافقه في أكثر معاركه، كما غدا كذلك شيخًا له يتلو عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على الجهاد ( [13] ) ، ويبتهل معه إلى الله عند الشدائد، ويواسيه في النكبات، ويحمد الله معه في الانتصارات ( [14] ) .

كان ابن شداد مخلصًا لله وللسلطان صلاح الدين، ناصحًا لهما، عالمًا عاملًا، لم ينافس أحدًا على حطام الدنيا، زاهدًا في المناصب، يعمل في الصمت أعمالًا جليلة تثبت جدارته، فينال ما يستحق بهدوء وتواضع، مما جعل صلاح الدين يزداد في تقريبه إليه، حتى كان هو والقاضي الفاضل آخر من يبقى معه كل ليلة من ليالي مرضه الأخير الذي توفي به ليلة الأربعاء 27 من صفر عام 589ه‍في دمشق ( [15] ) . ومما يدل على إعجابه الشديد بصلاح الدين قوله عنه:"انظر إلى الهمّة التي لم يشغلها عن الغزاة أخذ حلب ولا الظفر بها، بل كان غرضه الاستعانة بالبلاد على الجهاد، فالله يحسن جزاءه في الآخرة كما وفقه للأعمال المرضية في الدنيا ( [16] ) ."

أخلص ابن شداد لصلاح الدين في حياته، كما أخلص له بعد وفاته، وذلك بوقوفه من أولاده موقف الناصح لهم المصلح لما بينهم، لذا نجده كثير التنقل بين حلب والقاهرة لهذا الأمر ( [17] ) ، ولقد اعتمد عليه الملك الأفضل بن صلاح الدين واحترمه كثيرًا، وكان يشاوره في جليل الأمور ودقيقها، ولكنه عندما ورد إليه كتاب أخيه الظاهر ملك حلب يطلب فيه أن يتحفه بابن شداد أجابه إلى ذلك إيثارًا وحبًا، وسيّره إليه ( [18] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت