وبعد ذلك عاد ابن شداد إلى الموصل سنة 569هليدّرس في المدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين محمد بن الشهرزوري، ( [5] ) ، فاشتهر، وذاع ذكره، وارتفعت مكانته بفضل كثرة علمه وسعة حكمته ورجاحة عقله، وصار علمًا من أعلام الموصل، فعهد إليه أتابكها بالسفارة إلى الخليفة العباسي وصلاح الدين الأيوبي في كثير من الأمور الهامة ( [6] ) وهذه السفارات هي التي عرّفت صلاح الدين به، وجعلته يعجب به، ويحبه، ويطلب منه أن يلتحق بخدمته مع غيره من أكبر رجالات العصر علمًا وأدبًا مثل القاضي الفاضل والعماد الكاتب الأصفهاني. وكان ذلك سنة 583هفي أثناء زيارته لدمشق في طريق عودته من الحج، إذ استدعاه صلاح الدين الذي كان قد عرفه من قبل، وكان آنذاك يحاصر قلعة كوكب، فقابله بالاحترام والإكرام، وسمع منه بعض الأحاديث النبوية في صحيح البخاري، وأمر العماد الكاتب أن يطلب منه العود إليه (أي إلى السلطان) بعد انتهائه من زيارة بيت المقدس ( [7] ) .
رجع ابن شداد إلى صلاح الدين فأعلمه برغبته في بقائه عنده، فقبل ذلك على الرغم من أنه كان قد قرر الاعتزال والتفرغ للعبادة وللعلم في الموصل ( [8] ) ، وذلك لما كان يكنه من حب لصلاح الدين، ولما رآه من حبه للجهاد والإخلاص، وكان ذلك في مستهل جمادى الأولى عام 584هبعد فتح القدس ( [9] ) خلافًا لما ذكره محمد حلمي محمد أحمد محقق كتاب الروضتين في مقدمته (ص 25) من أن ابن شداد قد لازم صلاح الدين قبل فتحه للقدس، وذلك لأن القدس كان في 27 رجب عام 583ه ( [10] ) .