ثم إني ذكرت في تاريخنا هذا ما يتعلق بفتوحات الخلفاء الأولين وبتاريخ دولة بني أمية بدمشق وقرطبة وبتاريخ دولة بني العباس ببغداد والفاطميين بمصر، وبانقسام الممالك الإسلامية بالمشرق بعد تسلط الترك والمغل عليهم، فبينت جميع ذلك بقدر الطاقة وزدت عليه شيئًا لم يوجد في التواريخ السالفة وهو برنامج التمدن الذي قد توشجت (140) عروقه في الدنيا القديمة واستمرت آثاره ظاهرة إلى الآن لكل من يبحث بالجد عن أصل المعارف منا، وفي أوائل القرن الثامن من تاريخنا تبدل ولوعهم بالفتوحات بالجد في المعارف والعلوم فكانت إذ ذاك قرطبة ومصر وطليطلة وفاس والرقة (141) وأصبهان وسمرقند تتسابق في ميدان العلوم مع بغداد تخت بني العباس، وترجمت في تلك المدة كتب اليونان وقرئت [36] بالمدارس وشرحت وسرت حركات عقولهم في جميع مواد المعارف الإنسانية فنتج عنها من الاختراعات الغريبة ما شاع صيته في أوربا. فتبين بلا إشكال أن العرب هم أساتيذنا بلا إنكار لكونهم جمعوا الأدوات المؤسسة عليها تواريخنا المتوسطة، وبدؤوا (142) بكتابة الرحلات واخترعوا التأليف في تاريخ وفيات الأعيان ووصلوا في صناعة اليد إلى غاية لا تحد، وبقيت آثار أبنيتهم مما يدل (143) على اتساع معارفهم، وكذلك اختراعاتهم الغريبة تزيد بيانًا لفضائلهم التي لم ينزلوا بها إلى الآن منزلتهم التي يستحقونها بسببها، فإن علوم الفيزيك والطب والتاريخ الطبيعي والكيمياء والفلاحة، لما جاءت (144) في أيديهم ازداد فيها الغريب مع كونها من المحسوسات التي لا تصرف لها هممهم صرفًا تامًا، فكيف بالعلوم العقلية التي اجتهدوا فيها اجتهادًا يفوق الحد من مبدأ القرن التاسع إلى انتهاء القرن الخامس [37] عشر. ثم نقول: ما نسبة ما عرفناه الآن منهم ببحثنا إلى ما بقي مجهولًا لنا من ذلك.