ومن حجج ذلك أن الوقت الذي كانت فيه الممالك القديمة في مبدأ تكوينها ذات حيرة، كان هذا الجنس إذ ذاك قائمًا بنفسه قادرًا على الإغارة على غيره، فقد كانت ملوك مصر وبابل من ذلك الجنس مدة تسعة عشر قرنًا قبل التاريخ المسيحي، ثم بعد أن رجع إلى حدوده الأصلية دافع عن نفسه سلطة الفراعنة وملوك الشام وامتنع من تسلط قيرس (132) واسنكدر ودام في استقلاله ضد الرومان الذين كانوا ملكوا الدنيا، وبعد ظهور النبي (r) الذي جمع قبائل العرب أمة واحدة تقصد مقصدًا واحدًا، ظهرت للعيان أمة كبيرة مدت جناح ملكها من نهر طاج (133) في إسبانيا إلى نهر الغانج (134) في الهند، ورفعت على منار الإشادة (135) أعلام التمدن في أقطار الأرض أيام كانت أوربا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة كأنها نسيت بالمرة ما كان عندها [34] من التمدن الروماني واليوناني، وبعد انقسام ممالك الإسلام لم تتعطل العلوم والآداب التي نتجت على أيديهم، فإن خلفاء بغداد وقرطبة ومصر وإن ضعفت قوتهم الملكية والسياسية فإن سلطنتهم الروحانية لم تزل قوية مطاعة في كل جهة لاجتهادهم في توسيع دوائرها بقدر طاقتهم، وقد نال النصارى الذين استطاعوا إخراج العرب من إسبانيا بالخلطة معهم في الحروب معارفهم وصنائعهم واختراعاتهم، ثم المغل والترك الذين تسلطوا على آسيا وتداولوها كانوا خدَمةً في العلوم لمن تغلبوا عليه من فرق العرب، وإلى الآن لم نطلع في أوربا على الأصول التي تبين لنا عادات العرب اطلاعًا تامًا، إذ لم يعرف عندنا من تواريخهم إلا تواريخ أبي الفداء وأبي فرج الأصبهاني (136) والمقريزي (137) وابن الأثير (138) ونبذة من تاريخ ابن خلدون (139) ونجهل بالمرة تواريخ كثيرة نود لو نجد من يترجمها لنا، وإن كان [35] المقدار الذي حصل عندنا كافيًا في رد غلط من غلط من أهل أوربا في شأن العرب.