فهرس الكتاب

الصفحة 2045 من 23694

والحال أنهم لو سمعوا ووعوا لأظهر الدليل صدق ما جعلوه مستحيلًا بعقولهم الغليظة، ولتذكروا أن الإفرنج لو لم يكونوا يعلمون مثل ذلك لما قدروا على مد السكك الحديدية، لأن مد قضبان الحديد متوقف على معرفة الارتفاع والانخفاض في سطح الأرض (25) ، وهو متوقف على معرفة وزن الهواء (26) ، فلو كان ذلك مجهولًا عندهم لفاتهم عمل السكة المذكورة. وكذلك عمل طلومبة (27) الماء، التي ترفع الماء من الجب إلى سطح الأرض، مالم يكن عمقه أكثر من خمسة عشر ذراعًا، وإلا فلا يكون ضغط الهواء كافيًا لرفع الماء (28) ، لأن قيراطًا مكعبًا من الزئبق يعادل في الثقل قدمًا مكعبًا من الماء فتنبه. فقل لي -أصلحك الله- ما فائدة قولهم: إن عقولنا لا تقبل هذا؟‍! فكأنهم يظنون أن عظام الأمور متوقف وجودها على قبول عقولهم السخيفة لها!! أو كأن الإفرنج مفتقرون لرواج مخترعاتهم إلى شهادتهم لها!! كلا، ألم يعلم أهل تلك العقول [8] الناقصة أن القوم غير مبالين بإنكارهم، وليسوا مكترثين بإقرارهم، وهم كل يوم في اختراع جديد واكتشاف غريب وترقّ عجيب، وبذلك تحسنت أحوالهم، وقويت نفوسهم، وتجملت بلادهم، وطابت معايشهم، وقهروا معانديهم، واستحوذوا على أموالهم. فسبحان من يختار من شاء من خلقه لكشف أسرار حكمته. فما كان أجدر بهؤلاء المغفلين بدلًا عن الإنكار أن يطلبوا دليلًا على ما قيل لهم وحقيقة ما ذكر لديهم، ويسعوا بجدهم -إن كان لهم جد- إلى معرفة ذلك أو تقليده على الأقل، بل على الأقل الأقل أن يعرفوا وجهه من الإمكان لئلا يبخسوا أحدًا حقه كما هو شأن أولي العقل والحزم، فإن جميع هذه البضائع والاكتشافات لها قواعد علمية وأدلة يقينية يمكن لكل إنسان بالتأمل والاشتغال أن يتعلمها ويتصور نتائجها بوضوح تام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت