وكثيرًا ما كانت تحركني المحبة الوطنية، وتحثني على ذكر كليمات تعرب عن بعض تلك الأحوال التي اعترتهم وطمست معالم مجدهم، وعادت عليهم بالوبال وسوء المنقلب. وتذكرهم بما كان لسلفهم من العلوم وغرائب الفنون، عسى تشبّ في أجسامهم نيران الجد والاجتهاد تلافيًا لما فات وهيهات. فشرعتُ بما كنت أنويه والله عالم بما أبديه وأخفيه فقلت: آن كثيرًا من خواص أهل بلادنا -فضلًا عن عوامها-، إذا سمعوا ما للإفرنج من البراعة في الصناعة، والسعة في العلوم والاكتشافات [3] الجديدة -العلمية والعملية- أنكروا ذلك عليهم واستعظموا سماعه، وما ذلك إلا لأنه يكون سببًا لإظهار جهلهم. وقصورهم في الهمة فدفعًا لهذا المحظور، وتخلصًا من نسبتهم إلى الجهل، ترى إذا قيل لأحدهم:"إن الإفرنج قد اخترعوا -مثلًا- قُبَّة من القماش تحمل إناسًا وتطير بهم في طبقات الجو (3) ، فيسيرون بها لأي جهة شاؤوها (4) "يبادر حالًا بقوله: إنها مأخوذة من كتب اليونان، فإنها كانت مستعملة عندهم.
كما أخذوا عنهم التلغراف (5) والوابور (6) والتلفون (7) ، مع أنهم يعلمون بأنهم يكذبون في دعواهم. والسبب الذي يحملهم على أن ينفوا أصل الاختراع عن الإفرنج المسيحيين، ويثبتوه لليونان مع أنهم كانوا وثنيين، هو إيهامهم (8) بأن اليونان أمة خصها الله بالمعارف وأنزل الحكمة عليها دون غيرها، وبذلك يكون غيرها من الأمم غير ملوم إذا لم يكن عنده علوم مثلها، وبهذا الإيهام يزعمون أنهم دفعوا الملام عن أنفسهم، والتمسوا عذرًا لجهلهم وعدم قدرتهم على الاختراع واكتشاف شيء، والحال أن اللوم لا زال منصبًا عليهم [4] ونسبة الجهل ما برحت منحازة إليهم، إذ لو سلمنا بدعواهم الكاذبة أن الإفرنج استنبطوها من كتب اليونان فلمَ لا يقدرون أن يجاروهم في الأخذ منها -كما زعموا-؟ مع أن كتب المذكورين ترجمت إلى العربية ولم يكن الإفرنج حينئذ يعرفون القراءة ولا الكتابة ولكن
(من كان يخلق ما يقول