قال الأستاذ: إن المعنى لو كان في السماء والأرض إله غيرُ اللهِ لفَسَدتا، فالقَصْدُ نفي كلِّ إلهٍ غير الله، وبهذا رادَفَتْ (إلا) كلمة (غير) التي يُوصف بها غالبًا. ولو كانت للاستثناء. لكان المعنى: لو كان فيهما آلهة ليس الله معها لفسدتا، ولكنهما لم تفسُدا لوجود الله معها. وهو كما ترى معنى باطل، غيرُ مقصودٍ البتةَ.
وتُعرب (إلاّ الله) معًا صفةً لـ (آلهة) كما يُوصف بالجار والمجرور معًا في قولنا: (هذا رجلٌ على فرس) ( [20] ) .
وأصالةُ هذا الفهم من المعنى هو ما أدركه سيبويه، إذ خَصّص لهذه المسألة بابًا، عنوانه: هذا باب ما يكون فيه إلاّ وما بعده وصفًا بمنزلة مِثْل وغير، وذلك قولك لو كان معنا رَجُلٌ إلاّ زيدٌ لغُلِبنا، والدليل على أنه وصف أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيدٌ لهلكنا، وأنت تريد الاستثناء لكنت قد أحَلْتَ (21) ... وعبارة (قد أحَلْتَ) هي غايةُ مقصود سيبويه من فهم المعنى.
تجنُّبُ الإسرافِ في التقديرات:
يرى الأستاذ الأفغاني أن إبعادَ بعض التقديرات المتكلفة جزء من تيسير النحو. فلا يُعطى تركيب بلاغي فوق ما يحتمل ولا ينبغي استهجانُ عقل المتعلِّم وتعريضُه لمعلومةٍ يشعرُ معها بالاستخفاف بقدراته الفكرية. وقد يُدْخِلُ الضَّيْم على اللغةِ نفسِها.
من أمثلة ذلك حديثُه عن (ليسَ) وعملها في تركيب الكلام. والمعروفُ أن هذا الفعلَ يدخل على الجملة الاسمية. وله عمل، وقد يدخل على الجملة الفعلية التي فعلها مضارع، فهل يبقى له عَمَلٌ ويوجَّهُ التوجيهَ السابق؟
قال الأستاذ: بل توغل أحيانًا في الجمود، فتصبحُ مثل حرف النَّفي، كقول البحتري:
ليس يُدرى أصْنعُ إنسٍ لجِنٍّ
فهي هنا بمنزلة (لا) . وما ذهب إليه هو الرأي السديد الميسَّرُ، لكنَّ بعضهم يتكلّف فيقدّر لهما ضميرَ شأن محذوفًا، زاعمًا أن الأصل: ليس الشأن يدري أصنع...الخ ( [21] ) ... وليس يزيدُ في الرزق العَنَاءُ
وبمثل هذا التوجيه نعرب (ليس) حرفًا نافيًا في قول الشافعي: