فهرس الكتاب

الصفحة 20404 من 23694

قال ابن هشام في المغني، أجيب عن الآية بأمرين:

أحدهما: أن خبر إنَّ محذوف، أي مأجورون أو آمنون أو فرِحون. والصابئون مبتدأ، وما بعده الخبر، ويُضْعِفُه أنه حُذِفَ من الأول لدلالة الثاني، وإنما الكثير العكس.

الثاني: أن الخبر المذكور لإنَّ، وخبر )الصابئون ( محذوف، أي"كذلك، ويُضْعِفُه تقديمُ الجملة المعطوفة على بعض الجمل المعطوف عليها( [18] ) ."

ولم يتطوّع ابن هشام في إبراز المعني الذي عليه هذه المغايرة في رفع )الصابئون ( أما الأستاذ الأفغاني فكان له توجيه معنوي خالص، وهو أن هذه الآية قرَّرت أن الإيمانَ والعملَ الصالح يُذهبان الحزْنَ والخوف عن صاحبهما أيًا كان دينُه في الماضي، وإنما رُفِعَت ) الصابئون ( وحدها، وجُعِلَتْ مع خبرها المقدر جملةً معترضةً ) والصابئون كذلك ( لأن الصابئين وهم لا كتابَ سماوي لهم، دونَ بقيَّةِ الأصناف(اليهود، النصارى والذين آمنوا) في المرتبة، فإذا كان الصابئون يَنْجُون إذا آمنوا وعملوا صالحًا، فالباقون وهم ذوو كُتُبٍ منزلة وماضٍ في الإيمان أولى بالنجاة لا محالة ( [19] ) .

وهذا التوجيه مستمدّ من آراء حذّاق البلاغيين والمفسِّرينَ كالجُرجَانيّ والزَّمَخشريّ.

ومن الشواهد البارزة التي لا تُفهَمُ في صناعةِ الإعراب إلاّ بتوضيح المعنى ما ذكره في توجيه قوله تعالى: )لو كان فيما آلهة إلا الله لفسدتا( [سورة الأنبياء:22] .

فمن المعروف لدى النحويين أنَّ بحث الاستثناء من أوسع أبحاث النحو العربي، لكثرة جزئياته وتنوّع تقسيماته وتداخل بعض أدواته ببعض. مثال ذلك (إلاّ) التي هي أم الباب فترد أداة حصر لا عمل لها، وتُحَمَلُ أحيانًا قليلةً على (غير) وجوبًا، فيوصف بها وبما بعدها، وذلك حين يُفسدُ المعنى على الاستثناء، مثل )لو كانَ فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا( [الأنبياء: 22] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت