زعم بعضهم جواز مطابقة الفعل لفاعله المتأخر في الإفراد والتثنية والجمع فأجاز قول: (جاؤوا الطلابُ) واحتجَّ بحديثٍ في موطأ مالك:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة النهار...".
ولا غبارَ على الاحتجاج بالحديث البتةَ، ولكننا حين رجعنا إلى (موطَّأ مالك) وجدنا للحديث أَوَّلًا وهو:"إن لله ملائكةً يتعاقبون فيكم: ملائكة في الليل وملائكة في النهار..."وإذًا لا شاهد صحيحًا على قاعدتهم المزعومة.
8ـ ينبغي التفريق بين ما يُرتَكَبُ للضرورة الشعرية وما يُؤْتَى به على السَّعة والاختيار، فإذا اطمأنت النفس إلى بناء القواعد على الصنف الثاني ففي جعل الضرورة الشعرية قانونًا عامًا للكلام نثره ونظمه الخطأ كل الخطأ: ادعى بعضهم جواز الرفع بـ (لم) مستشهدًا بقول قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنباءُ تنمي
فإذا فرضنا أن الشاعر قال (يأتيك) ولم يقل مثلًا (يبلغْك) ، يكون قد ارتكب ضرورةً شعريةً قبيحة، ولا يجوز البتَّةَ أن تُبنَى قاعدةٌ على الضَّرورات. ... سكنوه أم صُنْعُ جِنِّ لإنس
9ـ المعوّل في امتحان أوجه الإعراب والترجيح بين أقوال النحاة على المعنى قبل كل شيء، فهو الذي يجب أن يكون الحَكَمَ في كلِّ مناقَشَةٍ وموازنةٍ وترجيحٍ، وإذا دار الأمر بين مقتضيات المعنى ومقتضيات الصناعة النحوية التُزِمَتِ الأولى دونَ الثانية:
في تعليق إذا والظروف الشرطية قولان: قول الجمهور أن تعلَّق بفعل الشرط، وقول غيرهم بتعليقها بجواب الشرط؛ (إذا حضْرتَ أكرمُك) فالجمهور يجعل الظرف متعلقًا بـ (حضْرت) وغيرهم يعلقه بـ (أكرم) ، والمعنى بنص على أن الإكرام يقع عند الحضور، لا أن الحضور يقع عند الإكرام، وإذا فقول الجمهور لا يؤيده المعنى، والصحيحُ تعليقُه بجوابِ الشرط.