غيرُ خافٍ على أحدٍ أنَّ من أهداف تعليم النحو أن يمتلك المتعلِّم مقياس الصحة والخطأ في اللغة. واستثمارُ هذه الفكرة أمرٌ مهمّ جدًا حتى نزيل من نفوس طلابنا الحَيْرةَ وأن نسير بهم في دراسة القواعد بخطو ثابتٍ، وتذوّق وحسن فهم.
فأن يتلقّى طلابُ الأدب العربي كتبَ التراث النحوي كشروح الألفية، وشرح شذور الذهب، وشروح الشافية، في بداية تحصيلهم الجامعي، غيرُ مثمر ولم يحقّق النتائج التي كان يرجوها الأستاذ سعيد الأفغاني. وليست المشكلة في الكتاب، وإنما في الرصيد الفارغ الذي يمتلكه الطالب. يقول الأستاذ عن هذه الخطوة:"لم ينجح وضع المصادر القديمة التي أُلّفتْ لغير هذا الزمان في أيدي الطلاب أولَ ما يستقبلون تحصيلهم الجامعي، فلا (شرحُ شذور الذهب) ولا (شرحُ ابن عقيل على الألفية) ولا أمثالُهما قامت بما تُوُخّيَ منها؛ إذ كانت جميعًا إحدى حَلَقاتِ سلسةٍ كان يتدرّج فيها طالب العلم قبل مئات السنين. وهي تذكّرنا بالمجالس النحوية والمناظرات اللغوية التي عادت على أهل العلم بكنزٍ من الفوائد لا نظير لها."
أمَّا اليومَ فيدرس الطالب الثانوي مادةَ القواعد العربية في كتب حديثة خفيفة!! يُراعى فيها تسلسل مخالِفٌ للتسلسل القديم، وأساليبُ حديثةٌ متطورة لم يعهدها الناس من قبلُ.""
كلُّ هذه الغايات كانت وراءَ جهودِ العلماء لتصنيف كتب القواعد بطرازٍ جديد غايتُه تقريبُ التراث النحوي لجمهور الطلبة، وأستاذنا الأفغاني واحدٌ من الغيورين على هذا التراث وأن يبقى أبناؤه مشدودين إليه بصلة رَحِمٍ قوية، فأدرك مبتغاهم، وقد اضطر بعد أن درّس في هذه الكتب بعض الوقت أن يرفعها من أيدي الطلبة في السنة الجامعية الأولى على الأقل، وأن ينخل مادتها ويُفرِغَها في أسلوبٍ حديث سهل منسَّق، بحيث يستوعب الطالب مادة العلم ويتذوقها بعد أن كان يشقى باشتغاله بحل عبارة المؤلف عن هضم المادة نفسها ( [2] ) .