إن هذه المواقف الانفعالية، التي ليست في جوهرها سوى ردود فعل تلقائية عفوية، تمنح هذه المقولة قيمة أدبية وتاريخية وفكرية، إنها مرآة صادقة تصور لنا طبيعة تفكير أحد المتعلمين في أواخر القرن التاسع عشر، وأنها دعوة حارة للحاق بركب العلم والحضارة. ولكن كيف يتم ذلك؟ أيتم التقدم بالصراخ والعويل والشتم وتعداد مخترعات الأوربيين؟! إن مقالات"فارس نمر"في المجلد الثامن من المقتطف -وقد قرأها مؤلفنا بلا ريب- تدور حول الإصلاح الزراعي والصناعي والعلمي والأدبي، فكيف كان الرجل يتصور الإصلاح؟ إنه لم يكن عنده أي تصور لتنفيذ أي إصلاح، وكل ما في مقالاته تعداد وإحصاء لما أنجزه الأوربيون في ميادين الحياة، ثم شتم للنحاة والصرفيين والبلاغيين وعلومهم لأنهم هم سبب التخلف؟! ولتهنأ الآن روح"فارس نمر"لقد ذوت علوم النحاة وانحسرت، وجف عود الصرف وذبل، وتأوَّد عمود البلاغة وانكسر، وانسحقت حلي البديع وعادت هشيمًا تذروه الرياح، ومع كل هذا ما زلنا نلهث في المؤخرة، هذا إذا أحسنا الظن بأنفسنا.
على أن مؤلفنا يعود بعد تقريعه وانتقاده ليذكِّر العرب بحضارة أجدادهم، وينقل صفحات كاملة من كتاب أقوم المسالك للمصلح الكبير"خير الدين باشا التونسي"، كما ينقل من مجلة المقتطف أقوالًا تمثل اهتمام الأجانب بعلوم العرب وصناعاتهم وتقديرهم لحضارتهم العظيمة.
ويأتي المؤلف بشواهد شعرية تدعم رأيه، وهي ركيكة الأسلوب، وتعد شواهد نموذجية لاستمرار ركاكة عصر الانحدار والعصر العثماني في القرن التاسع عشر.