للإجابة عن هذا السؤال رحت أقلب صفحات المجلد الثامن من مجلة المقتطف الصادر سنة 1883، لأنني أثناء تحقيقي للمقولة، تبينت أن المؤلف قد قرأ هذا المجلد واقتبس منه، ولم يخب ظني، وأصابت الرمية المقتل، فلنستمع إلى"فارس نمر"ص581: (أيقنع علماؤنا"بخرفشة النحاة"وعلماء الإفرنج قد جابوا الأقطار، وركبوا متن السحاب، وطاردوا قوات الكون حتى أمسكوا بنواصي البرق، وذللوا أعناق الصواعق، فانقادت إليهم صاغرة، وأصبح عاجزهم إذا نادى البروق مثلت بين يديه، وإذا أمر الصواعق أسرعت تدك الأطوار، وتنسف الصخور، وتفتح الأسراب طوعًا لما يريد..) .
إنها شنشنة أعرفها من أخزم، وأنها -وأيم الحق- انتقلت إلى مؤلفنا فرددها معجبًا بها، دون أن يدرك انكسار القياس وانحسار مقومات البرهان في أمثال هذا الكلام الفج، فكل علم له مقوماته وفوائده، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ولا نستطيع أن نحمِّل علمًا من العلوم وزر التخلف والتأخر، لأن التخلف يرتبط بطيعة المجتمع وتكوينه الداخلي ووضعه الدولي.
وأسائل: لو أن أولئك الناس الذين كانوا يعنون بالبديع والصرف والبلاغة والنحو، تركوا هذه العلوم، ولم يتح لهم من يرسلهم في بعثات إلى أوربا، فهل سيتحقق التقدم بذلك؟!
يبدو لي أن غضب المؤلف على التخلف والجهل، واستياءه من سماجة العاملين في حقل العلوم القديمة، جعله يصب جام غضبه على علومهم، وكأن هذه العلوم تتحمل أوزار انحطاط عقول ممارسيها، فما وزر علم البديع إذا كان صاحبه مثلًا لا يقر بكروية الأرض، أو كان يعادي العلوم الجديدة؟!